يعتبر حي البستكية من اهم وأعرق المناطق على خريطة المباني الاثرية بإمارة دبي لما له من عمق تاريخي يعبر عن حضارة ذات قيمة معمارية، وذلك بما يضمه من مبان قديمة اضافة الى ان الحي يعتبر من المناطق التاريخية المهمة في دولة الامارات. نشأة الحي تعود نشأة حي البستكية في دبي الى عام 1910 وقد انشيء شرق المدينة القديمة المعروفة بإسم بر دبي وامتد بمحاذاة الخور ولمسافة تبلغ ثلاثمئة متر وبعمق بطول مئتي متر الى الجنوب وقد ضم الحي حينذاك حوالي 60 وحدة سكنية معظمها مكون من دورين، وكان يفصل بين الوحدات وبعضها ازقة ضيقة ومسقوفة لمنع حرارة الشمس من الوصول الى المنطقة معظم اوقات النهار، وكانت هذه تتلاقى في افنية داخلية متفاوتة الابعاد والمساحات وكان المسجد يحتل احد هذه الافنية. كان تخطيط مساكن حي البستكية نابعا من متطلبات صاحب المبنى، فقد كان حجم المبنى وعدد غرفه مرتبطا بعدد افراد الاسرة كبيرة كانت ام صغيرة، وما يطرأ عليها من تغيرات اجتماعية فيما بعد، مما جعل الشكل العام للمبنى يتغير اكثر من مرة وحسب حاجة الاسرة، ويتميز حي البستكية بالبراجيل حيث تعددت انواعها في هذا الحي، نظرا لاختلاف طلب السكان واختلاف وظيفة كل منها وفقا لمكان الاستخدام فمثلا تختلف البراجيل في غرفة النوم الرئيسية عنه في المجلس او غرفة الاولاد، وهذا الاختلاف يكون من حيث الشكل العام والارتفاع ونوعية الزخرفة التي توجد به. مشربيات متنوعة اما البراجيل في غرفة النوم الرئيسية لرب الاسرة فتتميز بأنها اكثر ارتفاعا ومحلاة ببعض النقوش الاضافية، اما البراجيل الاخرى فهي اقل منه ارتفاعا ونقوشا، اضافة الى استخدام المشربيات الخشبية والجبسية بأشكالها المتعددة من حيث الشكل والتصميم، بالاضافة الى وجود البلكونات المطلة على الازقة والافنية الخارجية والمزينة بالاخشاب ذات الحليات الجميلة والعديد من الملاقط الهوائية والاعمدة الجميلة ذات التيجان الرائعة والاقواس المميزة بالزخارف والكرانيش ذات الخطوط الرفيعة والمتناسقة والمداخل البارزة والجدران المصمتة. جماليات الفن التراثي ويشير المهندس رشاد محمد بوخش رئيس قسم المباني التاريخية في بلدية دبي الى ان واجهات المباني في هذا الحي تعتبر توضيحا لأسلوب من اساليب العمارة المحلية. وتبرز مدى احتوائها على جماليات الفن التراثي المحلي،. مشيرا الى ان المبنى كان في السابق عبارة عن جدران خارجية مبنية من الجص، اما الغالبية العظمى من المرافق فقد كانت مبنية من سعف النخيل «الدعون» وذلك نسبة للحالة الاقتصادية لصاحب المنزل، وخلال فترات متفاوتة تمت ازالة تلك المرافق المبنية من الدعون وتحويلها الى مرافق مبنية من الاحجار البحرية والجص مضيفا الى ان للمبنى مدخلين، المدخل الرئيسي الذي يقع شرق المبنى وهو كبير الحجم وقد شيد هذا المدخل خلال المرحلة الثانية حيث كان المدخل في السابق من الدعون مع وجود مصاطب حجرية على الجانبين، اما المدخل الآخر فيقع شمال شرق المبنى وهو مدخل احدث من السابق. وأوضح المهندس بوخش ان كل مبنى له ممر او سلم وجيد للانتقال من الدور الارضي الى الدور العلوي ويقع هذا الممر في منتصف الجدار، وبالتحديد في المنطقة المطلة على الساحة من الجهة الغربية وتحتوي واجهات الدرج من الداخل على بعض الاشكال التقليدية وهي تظل على الساحة مباشرة وللانتقال الى المرافق في الدور العلوي يجب المرور بمداخل حيث يوجد مدخلان احدهما يقع في الجهة الجنوبية والآخر قديم ويقع في الجهة الشمالية. اما بالنسبة للتصورات المستقبلية فيوضح المهندس رشاد ان بلدية دبي اهتمت بشكل كبير بالحفاظ على هذه المنطقة واحياء تراثها المعماري والعمراني وبادرت الى تجميد معاملات البناء فيها مشيرا الى ان المرحلة الاولى للمشروع بدأت بتطوير الخدمات والمرافق العامة وفي المرحلة الثانية تولي قسم المباني التاريخية تنفيذ مشاريع الترميم. اما المرحلة الثالثة فتسعى الى استكمال ترميم بيوت المنطقة وتضم 57 بيتاً ثم البدء في برنامج التوظيف والاستغلال حيث توجد تصورات عديدة لجعل المنطقة مركزاً تراثيا سياحياً من خلال اقامة متاحف ومعارض ومحلات بيع التحف ومكاتب وبيوت سكنية، اضافة الى موتيلات لجذب السياح والزوار. شخصية متميزة واكد بوخش على اهمية ان تتم عملية الربط بين حي البستكية والمناطق المحيطة به مثل السوق القديم وواجهة خور بر ديرة والمباني التراثية فيه، وذلك بعمل انشطة تربط العناصر والمباني الاثرية في ديرة وبر دبي بواسطة «عبرات» لها شكل خاص وتقليدي اضافة الى المحافظة على التركيبة السكانية في الحي وعدم تجاوز النسب التي تؤثر على شخصية الحي مع الحرص على صيانة المباني والخدمات، مشيراً الى ان حكومة دبي انتهجت ومنذ الستينيات اسلوب المحافظة على هذا التراث فمنعت اي نوع من التغيير او الهدم او حتى الترميم في المنطقة، ومن ثم دعت البلدية استشاريين عالميين للتنافس على دراسة المنطقة وحددت نطاق العمل من خلال المنهاج الذي ركز على العديد من النقاط اهمها ان يكون نطاق العمل بتسجيل ومسح المنطقة بالكامل وتحليل الموقع ودراسة المنطقة المحيطة ومن ثم اقتراح منهج ومخطط هيكلي للمنطقة يشتمل على اقتراح لاستخدامات المباني في اطار نسيج متكامل يعيد الحياة للحي دون جعله حيا متحفيا فقط ومن ثم التأكيد على ان يكون الترميم والاصلاحات بأسلوب تقليدي وبمواد تقليدية وعدم السماح قدر الامكان بالهدم في الحي او تغيير الطابع الاصلي له. علياء سعيد