عبر السنوات والمراحل يرتقي الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها أو أساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند إلى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات أثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو أولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. هي اسماء حفرت لها مكانا مميزا في عقول اشخاص تأثروا بها واصبحت كالنجمة التي تنير الدروب امام كل من اهتدى بها في الحياة من خلال توجيهاتهم ونصائحهم وهي اسماء تبحر في عقول هؤلاء فتحمل معها اجمل مفاهيم الحياة وتبقى ذكراها فواحة ومقرونة بالتقدير والاحترام وسبيلهم نحو ارتقاء سلم النجاح متسلحين في ذلك بالعزيمة والاصرار وبما تحمله نفوسهم من بصمات تأثرهم بها. محمد سعيد الضنحاني مدير الديوان الاميري بالفجيرة يوجه رسالته الى استاذه وفيها يقول: الى من علمني كيف اخط حروفي على اوراق الحياة، الى من رسم بحديثه العذب معالم طريقي نحو النجاح، اليك يا من كنت في زمان التطلع قدوة وكنت في بواكير العمر مثلا فاذا كانت عباراتي تنطق بجميل فضلك وكلماتي تبوح بعظيم اثرك فتلك صفات اكتسبتها منك، وسمات اخذتها عنك فوفائي موصول بوفائك وعهدي مقرون بفضلك ولا تعجب ياسيدي عندما تراني ألهج بسيرتك العطرة واحدث الناس عنك وعن تلك الايادي البيضاء التي امتدت الينا في بداية الطريق تنير لنا جنباته وتيسر لنا صعوباته ولقد صدق الشاعر عندما قال: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا ويضيف: ان تبجيلك ذكرك واحترامك هو الثناء عليك، والوفاء بحقك تكريم لك كما قال الشاعر: ان المعلم والطبيب كليهما لاينصحان اذا هما لم يكرما ولست اخفي عليك انني وقد اثقلتني الحياة بمشاغلها وعركتني الايام بتقلباتها احاول ان اتلمس ذلك الضوء الخفي في ثنايا نفسي واعود بها الى عهود الصبا استرجع اياما خلت كنت ارسم فيها ملامح ومعالم الغد القريب وعندها ادركت ان ما حضرته في ذاكرتي اعظم من ان ينسى وما تركته في نفسي اكبر من ان يخفي ولعلني اكتب اليك تلك الرسالة وقد تراكمت حولي مسئوليات جسام احاول جهدي ان اكون على قدرها، فيها اقف في منتصف الطريق اتأمل ما مضى وافكر فيما هو آت فيحدوني الامل في ان احقق اهدافي واصل الى بغيتي.. وقد تيقنت انني لا استطيع ان ابصر الغد واضحا جليا الا اذا تدبرت الامس بكل ما كان فيه ومن هنا رحت افتش في ذاكرتي عن تلك الرموز التي استلهمت منها خطابي فوجدتك انت ياسيدي رمزا ونبراسا فما اجمل ان يكون للانسان اناس يراهم وهم غائبون ويحاورهم كأنهم حاضرون.. ما اجمل ان نفتح اعيننا على صور الماضي فنرى فيها الحاضر ما اجمل ان نحس بالوفاء الى من علمونا والحنين الى من اعانونا. سيدي يا من وصلت بحبل علمك ماضينا بحاضرنا بل وذلك الغد الآتي، يا من جعل نور المعرفة رحما بيننا مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (العلم رحم بين اهله) فاذا كان رحم العلم جعلك تهدينا وتأخذ بأيدينا مثل الاب الحنون الذي احاط بحبه ابناءه فان رحم العلم جعلنا نذكرك ونحسن الثناء على عهدك مثل الابن البار الذي سار على عهد ابيه واذا كانت كلمات خطابي قد انتهت فان ودي واخلاصي دائم لا ينتهي. شخصيتان في حياتي ويقول المهندس نجيب عبدالله الحاج رئيس وحدة المواد الخطرة بالادارة العامة للدفاع المدني بانه يوجه رسالته المغلفة بالاعتزاز والتقدير الى استاذين من اساتذته في الحياة واللذين تأثر بهما وكان لهما ابلغ الاثر في جعل نجاحه في الحياة ثمرة قطفها من تأثره بهما. اما الشخصية الاولى فهي المرحوم الوجيه حسن مختار اليوسف وهو من مواليد دبي عام 1914 وتوفي في عام 1998 ويصف المهندس نجيب استاذه اليوسف بانه كان عصاميا وكان من نخبة الاوائل الذين ساهموا في اعمار دبي وقد عمل الى جانب المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم باني نهضة دبي الحديثة والذي كان يستشيره في كثير من الامور وكذلك عمل مع بعض حكام الامارات كالمغفور له الشيخ خالد القاسمي والمغفور له الشيخ احمد المعلا مشيرا الى ان الوجيه كان يعمل في صمت ويفكر كثيرا في اليوم والغد واضعا المستقبل نصب عينيه كما انه كان يعيل الكثير من العائلات في الامارة سواء من قبيلته او غيرها كما ضم في تجارته جميع اخوانه موضحا انه كثيرا ما كان يجلس بجانب مصلاه عند زيارته له فكان رحمه الله يحدثه باخبار العالم والمجتمع بجانب توجيهاته الكثيرة له. ويضيف الحاج اما بالنسبة للشخصية الاخرى فقد تعلمت منها الكثير وهي شخصية الفيلسوف والمتصوف والذي استطاع ان يفلسف التصوف النظري والعملي وهو الشيخ ابو بكر محمد بن علي الملقب بمحيي الدين بن عربي والذي ولد في الاندلس وتوفي سنة 1240 في دمشق ولديه حوالي 600 مؤلف وكلها تدعو الى وحدة الاديان والمناداة بالمحبة بين البشر بدون اي فارق كما هو متداول الآن ويزعمه كثير من المثقفين باسم حوار الحضارات، وقد كتب عنه المستشرقون اكثر من المسلمين ومن الشخصيات النادرة التي كتب عنها جميع اهل الاديان والمذاهب مشيرا الى انه تأثر بكتاباته وبمن علقوا على كتاباته. الحرص على المصداقية ويوجه ناصر امان آل رحمة رئيس قسم الانشطة الرياضية بوزارة التربية والتعليم رسالته الى استاذه الفاضل والقدير والذي تعلم منه من خلال موقف اثر في حياته ورسخ في نفسه مبدأ مهما جدا في الحياة وهو المصداقية، يقول آل رحمة ان الموقف الذي بقي عالقا في ذاكرتي حدث اثناء دراستي في المرحلة الاعدادية بمدرسة السعيدية بدبي (المعري سابقا)، حيث اتذكر جيدا معلمنا في التاريخ الاستاذ احمد حسين، وقد كان معروفا بتحري الدقة في وضع درجاته للطلبة الى درجة ان من يحصلون على علامات فوق 90% من الطلبة لا يتعدون خمسة طلاب وكان هذا الامر مزعجا بالنسبة لنا كطلبة وفي مرة من المرات احتج الطلبة على الدرجات وكنت واحدا من المحتجين فذهبنا الى مدير المدرسة وشرحنا له الوضع فاحالنا الى المدرس لمناقشته في الامر. ويضيف: وعندما تناقشنا مع المعلم الفاضل الاستاذ احمد حسين اوضح لنا حيثيات وضع الدرجة واكد لنا ان القضية من وجهة نظرنا هي التخوف من الاهل ومن العقاب على الدرجة بينما ما يجب ان نهتم به هو مصداقية الدرجة التي هي مؤشر لما نستحقه بالفعل وهذا امر نصدقه نحن بانفسنا كما لفت انتباهنا لنقطة مهمة وجوهرية لن انساها مدى حياتي وهي ان المصداقية هي اهم ما يجب ان يتمسك به المعلم الحريص على مصلحة ابنائه واليوم اتذكر ذلك وانا في محيط عملي واضع نصب عيني دائما تحري الدقة والمصداقية عندما اتعامل في شئوني الوظيفية بالميدان التربوي وايضا في الشئون المتعلقة بأسرتي ومحيط اهلي وعائلتي واصدقائي. علياء سعيد