الترقيات الأخيرة التي شهدتها وزارة الصحة أنعشت الآمال في الميدان التربوي. تلك حقيقة لا لبس فيها وان كانت بحاجة إلى توضيح لان العلاقة بين أهل الميدان والصحة ليست علاقة وظيفية بقدر ما هي علاقة تحكمها استفادة الطرف الأول أي التربويين من خدمات الطرف الثاني أي الصحة فيما يخص أمور العلاج والتطبيب. وكي نقترب من أجواء الانتعاش الذي بدا ظاهرا خلال الأيام التي أعقبت صدور الترقيات في وزارة الصحة فإننا نشير إلى ان الآمال قد انتعشت بالفعل في نفوس التربويين لانهم أولا ـ وهذا هو المهم ـ قد رأوا فيها أسلوبا جديدا وجيدا لتحسين الأداء عبر تحفيز القائمين به ولو من خلال الأمل في أن تكون الترقية للمناصب الإدارية العليا من نصيب كل من يجتهد في عمله أو يرتقي بخبراته أو تبرز في أدائه صفات القيادة والقدرة على القيام بمسئوليات أكبر تستحق الترقية للأعلى. وإذا توقفنا أمام ترقية بعض مديري المناطق الطبية إلى وكلاء مساعدين بالوزارة فسوف نجد ان هذه النقلة النوعية التي قامت بها وزارة الصحة تكاد تكون عملا غير مسبوق، ومجرد حدوثها دليل على التوجهات الجديدة التي أصبحت تحكم عمل الوزارة، وهذا يعني بالنسبة للميدان التربوي عامة ولمدراء المناطق التعليمية خاصة ان الفرصة قد تتاح لهم مستقبلا للوصول إلى مواقع أفضل ومراكز أرقى في السلم الوظيفي لوزارة التربية والتعليم إذا طبقت وزارتهم ما قامت به وزارة الصحة التي سبقت الجميع ومن المؤكد ان الآخرين سوف يسعون للحاق بها. كما ان كوادر الصف الثاني من قياديي المناطق التعليمية سوف يشعرون ان بامكانهم إذا أخلصوا في أدائهم وتميزوا في أعمالهم أن يصعدوا إلى مواقع المسئولية الأولى في مناطقهم قبل أن يتواصل صعودهم إلى هذه المواقع في الوزارة التي يتبعونها. ووارد تماما أن تنتقل عدوى الترقيات ـ إذا جاز التعبير ـ التي انطلقت من الصحة لتصبح بالتالي ظاهرة صحية في كل وزاراتنا التي ستسعى بدورها إلى توجيه المزيد من الاهتمام والمتابعة للمناطق التابعة لها بهدف «اقتناص» العناصر المتميزة وتصعيدها للأعلى، وهي عناصر لا شك في خبراتها الطويلة وقدراتها القيادية التي اكتسبتها من العمل الميداني داخل المناطق، والتي تعد أساس كل جهود تقوم بها الوزارة ـ أي وزارة ـ للنهوض بما تقدمه من خدمات أو ما تؤديه من واجبات تجاه المجتمع كله. وتخيلوا شعور معلم مواطن يخطو اليوم أو غدا أولى خطواته على درب الحياة العملية وهو يدرك ان بامكانه بعد عطاء طويل واكتساب خبرات مميزة أن يصل إلى درجة وكيل مساعد في وزارته دون أن تتحكم فيه ظروف المكان الذي يؤدي فيه واجبه الوظيفي ومهما كان هذا المكان قريبا من المركز الرئيسي أو بعيدا عنه. إن ما فعلته وزارة الصحة هو كما قلنا نقلة نوعية في النظام الإداري العام لانها تحث كل العاملين على الأداء الجيد وعلى التميز وتحقيق الجودة الشاملة في كل مجال، ولو ان هذه السنة الحسنة امتدت إلى كل الوزارات لحققنا الكثير في كل القطاعات، وليت التربية تسعى إلى مثل هذه النقلة خصوصا وانها فكرت قبل فترة في تدوير الكفاءات ولا بد أن تأتي القيادات في المقدمة، لرفد الميدان بعناصر تمتلك الخبرة والرؤية والفكر الجديد عبر تدرج وظيفي منطقي وحقيقي يؤدى لصالح الميدان الذي قدموا منه وعركتهم تجاربه طوال سنوات خدمتهم فيه. محمود علام