في المواقف التي تثير الدهشة والغرابة تصبح الكلمات هي التعبير الاقرب عن كل المشاعر. وعندما تزداد الامور اثارة فان وقائعها ومشاهدها وسلوكياتها لابد وان تتحول بدورها الى «حروف ساخنة» تشير الى موضع الخلل وترشد الى مكمن الخطر ليصبح الطريق امام الجميع واضحاً والدرب سالكا. وحروفنا الساخنة لن تتوقف عن متابعة كل الجوانب والامور في شتى مجالات الحياة. ومع كل حرف ساخن ستكون الصورة ايضاً ناطقة ومعبرة وشريكاً دائماً في ترجمة الحرف والافصاح عن ابعاد الكلمة... كما سيكون لكل مسئول دوره معنا ليزداد التواصل على وقع الحروف الساخنة. قبل اسبوع ظللت جميع البيوت حالة استنفار قصوى، الاهل متخوفون والطلاب متوترون، وبينما هناك مجموعة اخرى من المتربصين، كل ذلك بسبب قدوم ذاك الزائر «ثقيل الظل» الامتحان.. فعند الامتحان يكرم المرء او يهان، هكذا قيل لنا منذ سالف العصر والاوان. ومع بداية الامتحانات سواء كانت نهاية الفصل الدراسي الاول او الاخير او امتحانات الشهادة العامة فان الحالة نفسها تتكرر وتكاد ان تصبح موعدا متجددا يفرض نفسه على الجميع، باستئذان وبدون استئذان وعلى الرغم من معرفة الجميع بموعد قدومه الثابت، الا انه يثير قلقا وتوترا كما ان الجميع يستعدون له كل حسب موقعه واسلحته وامكاناته والهدف واحد هو. حشر الطلاب في قاعات وفصول واجبارهم على استعادة ما اخذوه من معلومات دراسية واعادة كتابتها والاجابة عن اسئلتها خلال زمن محدد ومن بعد ذلك يجزى كل امريء على ما قد زرع وعمل، فمن جد وجد. عوامل مؤثرة كل هذا كلام.. يعرفه الجميع، ولكنه يتجدد ويتطور في كل عام بثوب جديد، فالعام الدراسي الحالي رافقته ايام انقطاع كثيرة من المدرسة وصلت في مجملها الى اسبوعين او ثلاثة بسبب العطل الرسمية وما صاحبها من ايام متداخلة ادت الى وصل تلك الايام بالاجازات، وما ان ذهبت الاجازة وعاد الجميع الى مقاعدهم.. حتى بدات التحركات فمن مستنكر للعطل او مشجع لها وصدرت قرارات وتعاميم للحد من الظاهرة، حيث اصدرت وزارة التربية تعميما يهدد ويتوعد من تسول نفسه الانقطاع عن الدوام ولكن هيهات. ونعود للمشكلة الاساسية، هي الامتحانات التي اربكت الأسر والطلاب والمدرسين والادارات. وهنا بدت الفرصة مواتيه امام شريحة من المنتفعين الذين استغلوا الظرف كالعادة فنشطت اسواق «سوداء» توفر للطلاب فرصة التزود بما فاتهم من دروس ومقررات خلال العطلات وكان ان فرضت الدروس الخصوصية نفسها كحل وحيد يطالب به الجميع باشكال مختلفة مستترة احيانا وعلنية في معظم الاحيان. بعض المدارس لجأت الى حصص التعويض على حساب حصص الانشطة كحل تربوي دون مقابل اعتمادا فقط على جهد المدرسين. بعضها الاخر افتتح فصول تقوية باسعار رمزية لتعويض مافات ومساعدة الطلاب والتخفيف على اولياء الامور من استنزاف الدروس الخصوصية لجيوبهم. كما ان بعض الاسر اقتطعت مبالغ لا بأس بها حسب عدد افراد الاسرة الدارسين بالمدارس ومراحلها المختلفة وعدد المواد ومكانة وسمعة من يتكسب بالدروس الخصوصية. اعلانات رسمية «بيان المدارس والجامعات» رصد ظاهرة الدروس الخصوصية ونشاطها المتزايد خلال الايام الاخيرة، حيث لم يتورع البعض ورغم كل الاجراءات الادارية والقانونية بمنع وضع اعلانات على الجدران امام ابواب المدارس وامام ادارات المناطق التعليمية والاماكن العامة الاخرى الا ان البعض اصدر اعلانات يعلن فيها اصحابها من «المعلمين» المدعين علو مستواهم ومؤهلاتهم وخبراتهم عن استعداد لاعطاء الدروس الخصوصية لكل المواد او بعضها ومستعدين لتوصيل الخدمة الى المنازل.. ولكن بمقابل وبعضهم فعل ذلك في صفحات الاعلانات المبوبة للصحف. هؤلاء المعلن منهم من هو داخل الخدمة الرسمية ومنهم من هو خارجها ويبحث عن فرصة عمل الى جانب هذا وذاك ايضا استغلت المعاهد الخاصة ظروف كلا الطرفين وحاجتهم، فاستغلت تراخيصها ومكاتبها لتفسح المجال لاقامة فصول تقوية جماعية او فردية كل حسب مقدرته على الدفع. مدير احد المعاهد لم يتردد وهو يعلن استعداد معهده لاعطاء الدروس الخاصة وباسعار واوقات مرنة، سواء للافراد او المجموعات، حيث تعاقد المعهد مع عدد من المدرسين حسب ادعاء مدير المعهد على اعطاء هذه الدروس لطالبيها بحيث يوفر المعهد المكان المناسب ومستلزمات الشرح مقابل اسعار يراها رمزية تتراوح ما بين 100 و 500 درهم يحصل منها المدرس على نسبة محددة والباقي لادارة المعهد. واكد هذا المدير أن لديه حاليا اكثر من 100 طالب يراجعون معهده صباحا ومساء لتداول ما فاتهم وما قصر اذهانهم عن فهمه اثناء الحصص داخل المدرسة عن اعتقاد لدى هؤلاء بان مدرس الحصة الخاصة افضل من معلم المدرسة ولديه عصا سحرية سوف تسهل عليه فهم المادة، وتاتي المفاجاة عندما يكتشف وجود معلمه نفسه احيانا على رأس فصول الدروس الخصوصية. خدمات حسب الطلب على الجانب الاخر تتحول غرف وصالونات المنازل الى فصول مدرسية اعدت اعدادا جيدا، لان بعض المعلمين اخذوا احتياطاتهم وجهزوا غرفهم بسبورات منها ما يستخدم «الوايت بورد» باستخدام الاقلام الغازية السائلة بدلا من الطبشورة.. ومنهم من استغنى عنها هذا اذا كانت الحصص في منزله، ويتوقف ذلك على عدد الطلاب الذين اتفق معهم وفرض عليهم ارادته ومشيئته. اما اذا كانت الحصص داخل منازل الاسر فالامر مختلف بالنسبة للاسعار حسب التوصيل بالسيارات وتأمين الوجبات الغذائية.. غداء اوعشاء ولا مانع ايضا من وجبة الفطور، احيانا لمن يرغب علاوة على تأمين المشروبات الساخنة والباردة وكذلك المنبهات كالشاي والقهوة والفواكه، ويتحول مطبخ الاسرة الى خدمة خمس نجوم. اما اولياء الامور فانهم يقعون بين المطرقة والسندان مطرقة الابناء الذين هم بحاجة الى شرح لبعض المقررات والدروس لتفادي المعدل الهابط وبين سندان المعلمين الذين يجدون في هذه الظروف اجواء يجب الاستفادة منها. حاجة ضرورية يقول محمد سعيد (والد لخمسة ابناء في مراحل مختلفة) انه يدفع اكثر من خمسة الاف درهم مقابل دروس خصوصية وثمن اسئلة وملخصات يشتريها من المكتبات، فيما تبقى الام سهرانة حتى ساعة متأخرة لتقوم بتلبية طلبات الضيافة للمعلمين بينما اقوم انا بمهمة التوصيل. لاننا نجد انفسنا مضطرين لذلك لتعويض النقص عند ابنائنا وليس باليد حيلة. فوائد قوم مقابل ذلك ايضا تزدهر ايام مكاتب الطباعة والتصوير، حيث اشار «سعيد» مشرف بمكتب طباعة انه خلال الاسبوع الاخير الذي يسبق الامتحانات يقوم بتصوير الاف الاوراق والملخصات التي يطلبها الطلبة والبعض الاخر ياتي بها المعلمون، حيث يقومون هم بانفسهم بتلخيص الكتب ووضع الاسئلة والاجابة عنها ويصل ثمن النسخة احيانا الى «50» درهما. تبريرات ومحاولات للتصدي بعض الجهات حاولت وضع الحلول والتصدي لهذه الظاهرة المستفحلة في كل المجتمعات وليس في الامارات وحدها. وزارة التربية تمنع ذلك منعا باتا وتحاربه وتحاصره وفي كل عام تصدر القرارات والتعليمات ولكن.. هيهات، وما بين القانون والبحث عن البدائل هناك بون شاسع. فبعض المعلمين، يرى في الدروس الخصوصية حقا له من اجل تحسين وضعه المعيشي في ظل عدم وجود الحوافز والعلاوات فالراتب رقم ثابت حكم عليه بالسجن المؤبد دون حراك. والحياة المعيشية تتطلب المزيد من النقود وهم يبحثون عن مصدر دخل اضافي بدلا من اللجوء للطرق الملتوية والقروض الربوية وهم يرون وبقناعة كبيرة انهم لا يسيئون التصرف عندما يستغلون علمهم ومعرفتهم لمساعدة الاخرين على سبيل المنفعة المتبادلة، طالما أن ذلك خارج اوقات الدوام الرسمي وليس على حساب المصلحة العامة، اسوة بباقي المهن فكم من المحاسبين يعملون خارج الدوام، وكم من الاطباء والمحامين والمستشارين الذين يقدمون الخبرات والاستشارات حتى المؤلفين واساتذة الجامعة يقدمون البحوث والدراسات الى جهات اخرى مقابل اجر، وهم اي المعلمين يشعرون بانه ليست لديهم سبل ومصادر اخرى للعمل الاضافي الا عن طريق مهنتهم وطبعا وسيلتهم في ذلك هي الدروس الخصوصية!!. مخالفة للقانون والرد على ذلك جاء على لسان احمد الهاملي مدير الادارة القانونية بوزارة التربية، الذي يرى عدم وجود مشروعية قانونية لهذا النشاط من وجهة نظر الفقه الاداري لان الموظف ليس اسيرا لوظيفته ايام الراحة وخارج نطاق العمل وخارج اوقات الدوام الرسمي الا أن القانون يرى أن الموظف ليس حرا في استعمال وقته الذي يجب أن يكرسه اصلا لخدمة وظيفته سواء وقت العمل الرسمي او خارجه. والمشرع القانوني حظر على الموظف العمل لدى الغير في اوقات غير اوقات العمل الرسمية سواء براتب او بدون، الا باذن رسمي وحتى في مجال عقود المدارس الخاصة، والحكمة في ذلك هي امتثال الموظف او العامل لذلك لان العمل لدى الغير اضرار بمصلحة العمل واخلال بمبدأ حسن النوايا. اضافة لذلك ومن وجهة نظر اخرى فان العمل الاضافي يجهد الانسان ويجعله غير قادر على العطاء لعمله الأصلي، وبالتالي فان الدروس الخصوصية تقع تحت هذا البند وعليه تم حظرها ومنعها. فتوى دينية ونظرا لأن المسالة شائعة وعامة في اكثر من مجتمع، فان فضيلة الامام الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الازهر الشريف في مصر اصدر فتوى باعتبار الدروس الخصوصية جريمة خيانة امانه واعتبارها خطرا يجب محاربته وعدم السكوت عنه لانه يهدد المجتمع هذه الفتوى اوردتها صحيفة «صوت الازهر» في 22 ديسمبر من العام الماضي، حيث طالبت الجهات الرسمية في مصر أن يقوم ائمة المساجد بتوعية المدرسين والطلاب واولياء الامور الى ذلك. وبعض المدرسين ملقون باللوم على الحاجة والمجتمع والضغوطات، حيث اعرب عدد منهم انه يتعرض احيانا لضغوطات اجتماعية ومن شخصيات رسمية واصحاب مكانة اجتماعية لاعطاء ابنائهم دروسا خصوصية ويقدمون لهم كل الاغراءات والتسهيلات والبعض منهم في موقع المسئولية. واشار البعض انهم احيانا يتلقون اشعارات رسمية بذلك ومن جهات تربوية مسئولية لاعطاء دروس في اماكن ولشخصيات محددة. محاولات لايجاد الحلول في بعض المناطق جرت محاولات للحد من هذه الظاهرة، حيث اكد سهيل سالم مدير منطقة العين التعليمية بأن ادارة المنطقة منعت ذلك منعا باتا وقامت بافتتاح فصول تقوية في بعض المدارس وباسعار رمزية وباشراف المنطقة. وكذلك اكد محمد سالم الظاهري، مدير منطقة أبوظبي التعليمية بأن ادارة المنطقة ومنذ بداية العام اصدرت تعميما منعت فيه التعاطي مع الدروس الخاصة سواء داخل المدارس او خارجها وشجعت ادارات المدارس أن تضع برامج خاصة لتعويض الطلاب عن النقص الحاصل ووجهت المدرسين الى ضرورة التعاون مع الادارات وكذلك اقامة مراكز معلومات اثناء الامتحانات وقبلها للرد على استفسارات الطلاب وشرح ما يلزمهم. وتبقى هذه مجرد محاولات ولكن المسالة اكبر من ذلك بكثير فالسيطرة عليها ليس بالامر السهل ويحتاج ذلك لاعادة نظر جذرية بالمسالة التعليمية وتوزيع الحصص والقرارات خلال العام الدراسي وسبل تعويض النقص ورفع مستوى الطلاب متدني مستوى التحصيل. حادث مأساوي ويكفي في ختام هذا التحقيق أن نذكر باختصار قصة ماساوية حدثت العام الماضي في احدى المناطق التعليمية ذهب ضحيتها مدرس لغة عربية واصيب عدد من الطلبة باصابات خطيرة، بسبب الدروس الخصوصية فمع الحاح الضغط من قبل اولياء امور بعض الطلاب وحاجة المدرس المادية، قبل أن يعطي بعض الحصص لعدد من الطلاب وحتى ساعة متاخرة من بعد منتصف الليل، وعندما عرض الطلاب على مدرسهم ايصاله الى منزله ومن شدة اعياء الجميع والسهر المتواصل والقلق والتوتر حيث كان احد الطلاب يقود السيارة تعرض لحادث سير مؤسف ذهب ضحيته المدرس ذاته واصابة الطلاب.. وتم احتواء الموضوع على عجل بحجة التستر على الموضوع.. ؟!! ولكن لمصلحة من؟ سؤال معلق الى حين تعميم الحل البديل للدروس الخصوصية وهو فصول التقوية بالمدارس ولكن الافضل هو ان يراعي المدرسون ضمائرهم داخل الفصول.. ونحن بالانتظار!!! داوود محمد