في المجتمع فئات من الناس يتظاهرون بما ليس في باطنهم، ويظنون بذلك انهم يحسنون صنعا، فتراهم يتكلفون إذا تحدثوا ويتكلفون إذا عملوا فيتباكون تصنعا، ويتضاحكون تكلفا. كل ذلك ليثبتوا انهم يفهمون أو قادرون أو مخلصون أو محبون. والحقيقة انهم ليسوا كذلك، بل هم متصنعو المواقف، بدليل ان لهم اكثر من موقف مع أنفسهم، وموقف مع من يحبون وموقف مع من يكرهون. وانهم لو كانوا صادقين حقا لكان لهم موقف واحد فقط مع ربهم، والله تعالى إذا رضي عن العبد أرضى الناس عنه كما ورد في الحديث النبوي، والشاعر يقول: إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إن الذين يفعلون ذلك تجد لهم وجوها عدة في مواقف شتى، نظرا لضعف إيمانهم أو افتقارهم الى التربية الصحيحة، إذ ليس كل من تخرج في الجامعات صار عالما، وليس كل من وقف على المنبر وتفوه بالآية والحديث بملء شدقيه صار مخلصا، وليس كل من وضع اللوائح والنظم صار ملتزما بالمبادئ، وليس كل من ركع وسجد كل يوم خمسا صار فقيها أو قانتا لله أو عارفا بالحياة، لذلك قال عمر للذي قال أشهد ان فلانا صالح: كيف عرفت ذلك؟ هل أكلت معه؟ هل سافرت معه؟ هل بايعته؟ ألمجرد أنك رأيته يركع ويسجد حكمت بأنه صالح، اذهب فانك لا تعرفه. انني ألاحظ بأن الناس اليوم يدعون الثقافة ولا علم لمعظمهم بها، ويدعون الزعامة ولا زعامة موجودة فيهم. وما يفعلونه أو ما يتخذونه من قرارات ما هي إلا نتيجة هوس أو سفه أو انفعال أو ادعاء من غير علم ويفعلون ذلك إذ لا رقيب عليهم. وفي اعتقادي ان الكل في حاجة الى التربية الصحيحة، وإلا فبما تفسر المواقف والمشاهد التالية: في المسجد: كلما دعا الإمام الى تسوية الصفوف نظر كل واحد من المأمومين الى رؤوس قدمي صاحبه ليقول له ارجع الى الوراء، ولا يدري ان تسوية الصفوف ليست برؤوس الأقدام بل بالأعقاب والأكتاف، وإلا فان بعضهم قدمه أطول من بعض، فإذا تسوت رؤوس الأقدام تأخرت الأعقاب، وبذلك يكون هو خارج الصف. هذا الإنسان يقف كل يوم خمس مرات مع الإمام، ومنذ سنوات، بل وشاب رأسه وهو يصلي ومع ذلك لا يتقن عمله. وفي الخطابة: تجد خطيب الجمعة أو خطيب الحفل أو عريف الحفل إذا تسلم الميكروفون تحدث بملء فيه حتى أزبد، وصارخ حتى هز الجدران، كل ذلك ليبلغ ما عنده الى السامعين، وربما فعل ذلك كله ولم يأت بجملة مفيدة، فكان كالرعد الذي يرعد ولا يصحبه مطر. وفي الشارع: يسوق بعضهم سيارته ويأخذ يمنة ويسرة، أو يستخدم المنبه كلما رأى ما لا يعجبه ليلفت أنظار الناس بأنه يفهم في حين انه متجاهل مشاعرهم في كثير من تصرفاته الأخرى الخاطئة. وفي الزواج: يضع كل رجل نصب عينه بأن المرأة كالسلعة يبدلها أي وقت شاء، أو يتزوج عليها أي وقت شاء، ولا يفكر انها إنسان مثله ولها كرامتها ولها مشاعرها، واذا كان الله تعالى جعل أمرها بيده لا لانه أفضل منها في الخلق والخلق بل لحكمة إلهية. وفي الطلاق: تجد الرجال يتباهون بالطلاق، وانه حق «الفيتو» في أيديهم، يستخدمونه ضد المرأة متى شاءوا، لذلك فانهم يذلونها به، وساعة ينتقمون به من المرأة ليرضوا شهواتهم، ولا يفكرون ان الطلاق علاج شرعه الله لرفع الضرر لا لايقاع الضرر. وفي الوظيفة: تجد بعضهم يشدد على نفسه فلا يعمل بحثا عن وظيفة هو يرتضيها، فلا يعمل مثلا في البنوك بحجة ان عمل البنوك مشبوه. يفعل ذلك ورعا وتدينا في حين انه يرتكب خطأ آخر مثل قطع ارحامه أو الغيبة أو النميمة مثلا، وانه لو عمل في البنك بنية انه اذا وجد عملا غيره انتقل اليه لكان خيرا له من ان يجلس من غير عمل، وثبت ان عمر رضي الله عنه قال انا أسأل الرجل أله حرفة فإذا قال لا سقط من عيني. وفي التصوف: التصوف في الأصل زهادة في الدنيا وتعلق بالله وانقطاع للآخرة، ومثل هذا الإنسان الذي يتصوف يزداد ورعا في حياته فيحاول ألا يفعل إلا ما يرضاه الرب، ولا يقصر في عبادته. أما ما نراه اليوم فإن بعض المتصوفين يتظاهرون بأنهم من النساك فيقول لهم انظروا الى جبهتي التي بها أثر قيام الليل، أو انه يستخف طربا في حلقة الذكر ويقول انه مجذوب، أو يطيل عذبة عمامته ويبالغ فيها، أو يترك الصلاة بحجة انه صلى كثيرا، ولا يدري ان إمام الزاهدين الجنيد البغدادي عندما رؤي في المنام قيل له ماذا فعل الله بك يا أبا عبدالله؟ قال: لقد ذهبت تلك الاشارات، واختفت تلك العبارات، فلم نستفد إلا من ركعتين كنا نرفعها وقت السحر. وفي الشعر: تغير مفهوم الشعر لدى الناس اليوم فلم يعد موهبة، فكلما رغب احدهم ان يكتب شعرا كتب كلمات متناثرة، أو مصفوفة وفي بعض الاحايين مسجوعة وسماه شعرا، وطرب له الناس وصفقوا له لانهم لم يعودوا تلك الاذواق التي كانت تفرق بين الشعر واللاشعر، وانهم اليوم بنوا الدشات التي فتحت على الناس ابواب الحرية في كل شيء، في القول والفعل، فلم يعد الشعر شعورا بل شعيرا. وفي التعامل مع الآخرين: أصبح اسلوب التعامل مع الآخرين اسلوب المجاملة والمحاباة بعيدا عن الاخلاص والحقيقة والايمان بالله، فترى المرؤوس يتودد لرئيسه لحاجة في نفسه، أو يجامل الزميل زميله لانه يوافقه في كل شيء أو يلبي طلبه فمتى رفض له طلبا أو خالفه في الرأي أعرض عنه وبدل ذلك الود سخطا، وصار يخل بالعمل نتيجة حقده على ذلك الإنسان، ولم يدر أن العمل يجب أن يكون لله رضي الناس أم سخطوا، وان الموظف في وظيفته ليس له أن يسخر وظيفته لمشاعره كأنه عبد أسير في ذلك العمل، وليس له أن يوظف مزاجه. وفي المهاداة: تعود الناس ولا سيما النساء أن يبالغن في الهدايا، فكلما عطس طفل أو قرصته نملة، أو دخلت زميلة أو خرجت قمن وأخذن لها هدية أكبر من هدية زوجها لها يوم زواجها. هذه المبالغة جاءت من ان كل واحدة تنظر الى الثانية نظرة نرجسية، لذا فهديتها يجب أن تكون أكبر من هدية فلانة. كل هذه الانفعالات والاندفاعات نتيجة الغيرة والحب غير الحقيقي بدليل انهن لو أحببن فعلن ذلك، واذا كرهن فان كيدهن عظيم. أما انهن لو عرفن ان عيادة المريض سنة نبوية، والرسول لم يكلفهن لا بناقة ولا جمل، بل بمجرد سؤال، وقال تبسمك في وجه أخيك صدقة لو علمن ذلك لما تكلفن كل هذا. وفي تحمل المسئوليات: يتحدث كل منا عن المثاليات، وعن المبادئ وعن الذمم، وانه يقول ويفعل وانه دقيق وعادل وإنساني في المعاملة، لكن لو تتبعت عمله لوجدته يتخذ قراراته بدافع عاطفي أو عدواني، وكأن الخير يخصه، والشر يعمنا، والمثالية مطلوبة له لا عليه، وهو يعلم ان الانسان إذا أراد أن يكون مصلحا لن يكون مؤثرا إلا إذا اتصف هو به أولا. وفي الناس عموما: تجد بعضهم يتغابى في أمور كثيرة، لدرجة انه يتهم بين الناس بأنه بليد، أو هو بليد فعلا لكن ذلك فيما يخص الناس، أما فيما يخصه هو فتراه ذكيا جدا، لدرجة انه يقرأ الطلاسم في حين انه أمي أو شبه أمي. إن هذه الطبيعة لا توصف بأنها غباء، بل لؤم، وإلا فانها اتخذت شكلا واحدا. أقول هذه بضعة مواقف وليست كلها تحتاج الى اعادة نظر، وكلنا في حاجة الى التجرد من الذات وحب (الأنا) والاخلاص في القول والعمل، لو فعلنا ذلك عندئذ نحب لله ونبغض في الله ويكون لنا وجه واحد لا وجهين، أليس كذلك؟