اذا فكرت في الذهاب الى جزيرة اللؤلؤ والأحلام «دلما» فلا بد أن تشعر عند الوصول اليها بأنك في بستان متعدد الاشجار والازهار متباين الثمار والالوان كما ان الحكايات التي تروى عنها في تاريخنا تجسد تلك الحضارة الخالدة التي تمتعت بها الجزيرة منذ زمن بعيد، والرحلة اليها شيقة وممتعة وتمنح الزائر صورة زاهية لوطننا العريق الغني بالجمال، وتقدم له بلا رتوش ما صنعته القيادة الرشيدة فوق أرضها. تعرف الجزيرة في الخرائط القديمة باسم «جزيرة اللؤلؤ» فقد اشتهرت بانتاجه عندما كانت السفن قديما تمر بها وتقف أمامها للتزود بالمياه التي تواجدت بغزارة في آبارها وفي العيون الجارية بأرضها، وكان سؤال المارين بها حينذاك عن دواعي توقفهم امام الجزيرة؟ يعقبه جوابهم: نحتاج الى دلو ماء، ومن هنا كانت هذه الجملة تفسيرا لتوقف السفن الكثيرة امام «دلما» جزيرة الأحلام فتطور بذلك اسمها من دلو ماء الى دلما. ويرجح بعض العلماء أن يكون اسم الجزيرة مشتقاً من المعدن المستخرج من البركان الثائر الذي عرف باسم «دالمونيت» ومنه اشتق الاسم ليصبح «دلما». وتقع جزيرة «دلما» في الخليج العربي في الشمال الغربي لمدينة أبوظبي، وتبعد عنها مسافة 210 كيلومترات بحرية، وعن جبل الظنة 45 كيلومترا. والوصول اليها يتم بواسطة الطائرة من أي مطار بالدولة أو العبارة اي «الدوية» التي تنقل الركاب مع سياراتهم او عبر الحوامة التي تقل المسافرين مع حاجياتهم الشخصية. أرض خصبة ومياه جوفية الجزيرة بيضاوية الشكل وسطحها مستو تقريبا وتظهر في جوانبها الشرقية والشمالية تلال صخرية، وأرضها خصبة تكثر فيها مزارع الخضروات والفواكه لسهولة الحصول على المياه الجوفية الصالحة للزراعة، وتقدر مساحتها بـ 45 كيلومترا مربعا ويبلغ عدد سكانها حوالي 5000 نسمة. وحظيت الجزيرة باهتمام بالغ من صاحب السمو رئيس الدولة وظهر ذلك واضحا بالمسوحات والتنقيب الأثري والترميم وأعمال الصيانة للمباني القديمة بالجزيرة التي تضم آثارا تعود الى عصور موغلة في القدم. ولا ينكر دور جزيرة دلما كميناء بمنطقة الخليج العربي حيث كانت السفن التي تنقل البضائع على الخط الساحلي العربي من الشمال أو من الشرق تمر بجزيرة دلما للتزود بالغذاء والماء، وظهر ذلك الدور بالفعل خلال عمليات المسح الآثاري وتلك المباني التراثية الشاخصة في موقع آبار مياه كالقطارة مثلا وازدحام الوحدات السكنية وتلاصقها مع وجود مخازن مدابس لتجهيز التجار بما يحتاجونه كما تأكد ذلك من خلال بيت المريخي الذي كان مركزا تجاريا يتم في مجلسه عقد الصفقات التجارية وتبادل البضائع. بومباي الصغرى ويضم متحف «بومباي الصغرى» كما كانت جزيرة دلما تسمى سابقا دلائل علمية تشير الى قدم الجزيرة التي يعود تاريخها الى سبعة آلاف سنة أو ما يزيد، وهناك ايضا اثار تعود الى العصر الاسلامي، كما ان هناك كتابات عربية تبرهن على وجود تعليم داخل مساجد الجزيرة التي كانت تستخدم في الماضي كمدارس للتعليم بجانب العبادة. وتوجد في المتحف أدوات غوص قديمة وعملات اسلامية من عصور مختلفة وفخاريات وقطع من الخزف تدل على النهضة في تلك الفترة. وهناك تل داخل الجزيرة يسمى «تل أبي عمامة» كان يستخدم كمرصد للسفن العابرة او الآتية الى الجزيرة، فقد كانت توضع فوق التل قطع مشتعلة لتساعد على الاهتداء اليها. ومن اشهر المعالم الباقية من المباني الاثرية في الجزيرة: مركز اللؤلؤ أو بيت المريخي، ومساجد المريخي والدوسري والمهندي، الى جانب المدابس، والقطارة. وموقع مركز اللؤلؤ وتفاصيل وحداته الخدمية ووظائفها يدل على انه كان المركز التجاري للجزيرة حيث يقع على ساحل الخليج مباشرة مما يجعل تجمع السفن قربه عملية سهلة كذلك قرب جميع المباني الدينية كالمساجد مثلا. ويعد معرض التراث في بيت المريخي «مركز اللؤلؤ» نواة للتوسع في جميع اللقى والمأثورات الشعبية واظهار تاريخ ودور جزيرة دلما الحضاري وأصالة عناصرها ودورها في منطقة الخليج العربي كميناء ومستوطن سكاني يقدمان صورة واضحة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ومساهمة جزيرة دلما في الحضارة الانسانية بما قدمت من خدمات وما ظهر حاليا وما يستخرج خلال التنقيب يكشف ويزيل الغبار عن حقبة مهمة في تاريخ الدولة وعمق الحضارة فيها. مساجد دلما وهناك مسجد المريخي الذي يقع في الجانب الشرقي لبيت المريخي (مركز اللؤلؤ التجاري) ويضم المسجد باحة للصلاة مساحتها 181م2 وفيها المحراب المجوف الذي ينتصف جدار القبلة، ولأركانه ثلاثة ملاقف هوائية، ولباحة الصلاة ثلاثة ابواب في جداره الشرقي، وتتخلل جدار القبلة شبابيك خشبية عددها ستة وتقع ثلاثة منها في كل جانب من المحراب، فيما يقع الصحن أي القسم المفتوح في جانب المسجد الشرقي ومسور بجدار في جوانبه الشمالية والشرقية والجنوبية. واما مسجد الدوسري فيقع في الجانب الشمالي والشرقي لمسجد المريخي ومساحته 181م2 ويتألفا من مكان للصلاة وآخر للوضوء ومظلة، ويعتبر مسجد المهندي الذي يقع في الجانب الجنوبي لمسجد الدوسري من اكبر المساجد بالجزيرة ويظهر فيه ملاحق للمحراب المجوف مما يدل على ان صلاة الجمعة كانت تقام به. وتعد المدابس من العناصر المعمارية المهمة في التخطيط وشكل الاخاديد واساليب الاستعمال في انتاج الدبس كعنصر ومادة تجارية وغذائية في تلبية وسد حاجات سكان الجزيرة وكذلك تزويد السفن التي تمر بالجزيرة كسفن الصيد والتجارة. يحيى عطية