من الفكر ينطلق الرأي فيثري ساحات العمل ومجالات البناء ويمنح أهل الميدان خبرات أوسع ورؤى أشمل هي حصاد علم أو معرفة، وخلاصة تجارب وممارسات قد تمتد لسنوات وسنوات. ولأننا نؤمن بأن الرأي اسهام في البناء، وسعي نحو التطور، وتوجه نحو العطاء فإننا نفرد على صفحات ملحقنا سطوراً تخدم واقعنا التربوي وان كانت «مجرد رأي». لم يعد هدف العلم في عصرنا ادراك ما يدور حولنا من ظواهر واحداث وانما البحث والاستقصاء لمعرفة افضل الظروف التي يمكن من خلالها التكيف مع هذه الظواهر، والتحكم فيها قدر المستطاع فالبحث والاستقصاء من المداخل الرئيسية التي من شأنها الاسهام في تطوير البنية المعرفية للعلم، والكشف عن الاسرار المخبأة في الكون، ولهذا فان التربية العلمية الحديثة تقوم على اكساب المتعلمين طرائق البحث والاستقصاء للوصول الى المفاهيم والمباديء والنظريات العلمية. ويختلف الاستقصاء عن الطرائق الاخرى المستخدمة في تعلم العلوم في ان الذي يطرح الاسئلة في تلك الطرائق هو المعلم على انها نوع من الاستجواب او التحقيق (كما يفعل المحقق ازاء قضية قانونية)، في حين يعتمد الاستقصاء على طرح الاسئلة من قبل المتعلم بالمشاركة مع المعلم بغية الوصول الى المعرفة العلمية فالاستقصاء هو البحث عن المعرفة باستخدام الاسئلة ذات الصلة بهذه المعرفة، وما يتولد عنها من فرضيات تتطلب جمع المعلومات اللازمة لاختبار هذه الفرضيات ومن ثم الوصول الى المعرفة المطلوبة وهو من اكثر اساليب التدريس الحديثة فاعلية في تنمية التفكير العلمي حيث يتيح امام المتعلمين الفرصة لممارسة العلم بأنفسهم فيسلك المتعلم سلوك العالم الصغير في بحثه وتوصله الى النتائج. تعريف الاستقصاء يمكن تعريف الاستقصاء كما جاء في كتابات المهتمين بطرائق تدريس العلوم بأنه: عملية حل المشكلة وما تتضمنه من توليد الفرضيات واختبارها، او انه: «نمط من انماط التعليم يستخدم مهارات لتوليد المعلومات وتنظيمها وتقويمها» او انه: «العمليات العقلية التي تؤدي الى تمثل المفاهيم والمباديء العلمية في العقل وهذه العمليات هي: الملاحظة والتصنيف والقياس والتنبؤ والوصف..». ويرى بعض التربويين ان الاستقصاء مرادف للاكتشاف ويرى اخرون ان الاستقصاء اعم واشمل من الاكتشاف باعتبار ان الاكتشاف يختص بالعمليات العقلية التي تحدث عند المتعلم في حين يختص الاستقصاء بهذه العمليات اضافة الى التجريب المخبري وبهذا الصدد يمكن للاستقصاء ان يكون في احدى الصورتين التاليتين: 1ـ الاستقصاء الحر. 2ـ الاستقصاء الموجه. الاستقصاء الحر ويقصد به قيام المتعلم باختيار الطريقة وانواع الاسئلة والمواد والادوات اللازمة للوصول الى حل ما يواجهه من مشكلات او فهم ما يحدث حوله من ظواهر واحداث ولعل هذه الصورة من صور الاستقصاء هي ارقى انواع الاستقصاء لان المتعلم في هذه الحالة يقترب كثيرا من سلوك العالم الحقيقي، ويكون قادرا على تنظيم المعلومات وتصنيفها، وملاحظة العلاقات المتشابكة واختيار ما يناسبه منها وتقويمها وهذا النوع من الاستقصاء يمثل التعلم الذاتي الحقيقي، وان كان يستلزم تدريبا دقيقا وجهودا ذاتية كبيرة. الاستقصاء الموجه وهو ما يقوم به المتعلم من عمليات عقلية تحت اشراف المعلم وتوجيهه او ضمن خطة بحثية اعدت مقدما، ويعتمد هذا النوع من الاستقصاء على المتعلم، ولكن في اطار واضح يهدف الى تحقيق اهداف محددة وهذا النوع من الاستقصاء اكثر عملية من الاستقصاء الحر، ويناسب التعليم في مدارسنا ولاسيما اننا نسعى الى الانتقال من الاساليب التقليدية الى الاساليب الحديثة، ومن الاعتماد على المعلم كليا الى الاعتماد على المتعلم فهو مرحلة وسطى بين التقليد والحداثة فبدلا من ان نضع المتعلم في مواقف لم يعتدها ولم يخبرها من قبل، فاننا نهيئه لما يجب ان يكون عليه مستقبلا ويتطلب الاستقصاء الموجه: 1ـ اختيار المفهوم او المفاهيم العلمية ـ موضوع التعلم. 2ـ تحديد الاهداف التي يجب ان يبلغها المتعلم نتيجة قيامه بالانشطة المقترحة. وتصاغ هذه الاهداف صياغة سلوكية وتتضمن نتاجات تعلمية تقع في دائرة قدرة المتعلم على بلوغها وتكون مترابطة متسلسلة تؤدي الى بناء المفهوم. 3ـ النشاطات التعليمية، التعلمية: ان كل هدف من الاهداف التي تم تحديدها يحتاج الى نشاط تعليمي ـ تعلمي او اكثر لتحقيقه. خطوات التعلم بالاستقصاء ـ عرض موقف (او سؤال) يستثير اذهان المتعلمين ويتحدى تفكيرهم. ـ حث المتعلمين على تكوين فرضيات تنجح في تفسير الموقف المثير (او تجيب عن السؤال). ـ مناقشة الفرضيات التي يقدمها المتعلمون للوقوف على مدى ملاءمتها للموقف (دورة الاستفسار). ـ يقوم المتعلمون بتحديد المعلومات التي يحتاجونها لاختبار الفرضيات، والبحث عنها والتعامل معها باساليب متعددة (تلخيص، تنظيم، تصنيف، عمل رسوم بيانية). ـ حث المتعلمين عى تقديم فرضيات جديدة واعادة دورة الاستفسار. ـ صياغة المفهوم الذي نتج عن دورات الاستفسار السابقة. ـ اتاحة الفرصة امام المتعلمين لتطبيق المفهوم على مواقف جديدة مشابهة للموقف المثير. مميزات الاستقصاء يكون المتعلم في الاستقصاء هو محور العملية التعليمية.ينمي لدى المتعلم مهارات التفكير العلمي، (الملاحظة، البحث، الاكتشاف، التفسير، التجريب، القياس، التنبؤ). ينمي الدافعية نحو التعلم، ويلبي الحاجة الى استمرارية التعلم الذاتي. يهتم ببناء المتعلم من حيث تنمية الثقة بالنفس والاستقلالية في الاعتماد على الذات. يحقق الاهداف العامة لتدريس المواد الدراسية المختلفة. والملاحظ ان افضل ميدان لتطبيق الاستقصاء بنوعيه: الحر والموجه هو المواد الدراسية العلمية ولاسيما مادة العلوم الطبيعية، لكن هذا لا يعني عدم جدوى هذه الطريقة من طرائق التعلم الذاتي في تدريس سائر المواد الدراسية كالتاريخ والجغرافيا واللغة العربية، حتى وان لم تطبق جميع تقنيات الاستقراء التي اتينا على ذكرها او تم الاقتصار على خطوات البحث الذي يشترك مع الاستقصاء في صفات كثيرة، ففي اللغة العربية مثلا يمكن للمعلم ان يحدد للمتعلمين اهدافا يمكن التوصل اليها بالبحث او الاستقصاء كأن ينبههم الى ظاهرة شيوع الافعال الماضية في نص قرائي ويوجههم الى بناء الفروض المختلفة لهذه الظاهرة ثم التأكد من الفرضيات واختبارها ثم تصنيفها بعد دورات الاستفسار المتعددة الى مفاهيم وتبين علاقاتها المتشابكة بموضوع النص، ومناسبته وقيمه الجمالية وغرض كاتبه الادبي وسوى ذلك من العناصر الفكرية والتذوقية التي يحفل بها النص، ولنتصور معا الفوائد الكبرى التي يجنيها المتعلم من هذه الطريقة والافاق البعيدة التي يرتادها والنظرة الشمولية التي يتسلح بها في التعامل مع النصوص والمنحى التكاملي الوظيفي الذي ينحوه في دراساته اللغوية والادبية: بما يؤكد اهمية تجريب طريقة الاستقصاء في تدريس العلوم البحتة والنظرية على حد سواء للارتقاء بكفايات المتعلمين واعدادهم معرفيا اعدادا سليما فضلا عما توفره هذه الطريقة من فرص ثمينة امام المعلمين للابداع في عملهم وطرائقهم التربوية ولكل مجتهد نصيب.