بمناسبة الذكرى الاولى لاندلاع انتفاضة الاقصى المباركة، وفي اطار الاهتمام الكبير الذي يوليه للقضية الفلسطينية ولمسألة الصراع العربي الاسرائيلي، اصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة بعنوان «العام الاول لانتفاضة، الاقصى» وذلك في محاولة للغوص فيما حققته الانتفاضة الفلسطينية على ارض الواقع بعد عام من انطلاقها، وموقف اسرائيل حيالها، وتبعات ذلك على امنها واقتصادها وكذا نتائجها على الفلسطينيين. ويوضح الاصدار ان شارون يدرك مدى تعلق الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين بالمدينة المقدسة، وكان يعرف رد الفعل مسبقا، وزيارته الاستفزازية للمسجد الاقصى كانت من اجل منع استئناف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي فشت في كامب ديفيد العام الماضي، او جعلها عديمة الجدوى، ما يعني ان غرض شارون المحدد كان القضاء على عملية التسوية مع الفلسطينيين. وفي هذا الاطار لم تتردد صحيفة هآرتس الاسرائيلية من قول الحقيقة في اندلاع الانتفاضة، «تعتبر قضية المقدسات الاسلامية افضل وسيلة للحث على فوضى الكفاح الشعبي الواسع، بكلمات اخرى: فقط من اجل القدس يوجد استعداد لدى كل الجمهور الفلسطيني للتحرك والخروج.. عندما يحدق الخطر بمساجد القدس لا يعود هناك خط اخضر، ولا حدود بين عرب 1948 واخوانهم في الضفة وغزة، فالطرفان هناك وهنا قلقون وجزعون على مصير القدس بنفس الدرجة». وتستعرض الدراسة عمليات الانتفاضة الفلسطينية منذ اندلاعها في العام الماضي، وحتى منتصف شهر سبتمبر من عام 2001، والتي شارك فيها أخيرا «عرب 48» وفي هذا تقول صحيفة «معاريف» الاسرائيلية «ان المشكلة لا تكمن فقط فيما حدث، وإنما كذلك فيما سيحدث، مع تزايد المشاركة في صفوف عرب اسرائيل في الهجمات الارهابية ضد اسرائيل» وتوضح ان الحملة التي شنها شارون على الفلسطينيين قد تشكلت من خطة ذات مراحل خمس نفذها على نحو متزامن، وهي: تصفية قادة ونشطاء الانتفاضة، تدمير مقار وقيادات التنظيمات الفلسطينية، اجتياح واعادة احتلال الاراضي الخاضعة للسلطة الوطنية، تفكيك السلطة الفلسطينية تدريجيا من اجل احلال قيادة بديلة في مرحلة لاحقة من الصراع، واضعاف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ووضعه امام خيارين، اما مغادرة الاراضي الفلسطينية او الاعتقال. وفي طريقه الى تنفيذ برنامجه التزم شارون ثلاثة مواقف الاول ابعاد الولايات المتحدة عن التدخل، كي لا تعطي عرفات شعرة تمنعه من السقوط ـ كما يقول الاسرائيليون ـ، وعدم السماح للفلسطينيين بتصعيد يصل الى حد دفع منطقة الشرق الاوسط الى حرب اقليمية، او الى تدخل دولي يسعى خلفه ياسر عرفات، ومنع اي مبادرة دولية تأخذ طريقها الى الشرق الاوسط تسمح لعرفات بـ «التقاط انفاسه» من خلال تدويل المواجهة مع اسرائيل. والى الانتفاضة الفلسطينية يعود الفضل في ظهور «الوعي» المتأخر جدا ـ عند الاسرائيليين وادراكهم لحقيقة لمسوها باليد ورأوها بالعين المجردة. وهي ان غضب الفلسطينيين منصب، بشكل كبير، على المستوطنات والمستوطنين كما ان هاجس انتقال «نمط حزب الله» الى الاراضي الفلسطينية لاحق الاسرائيليين منذ الاسابيع الاولى لاندلاع الانتفاضة. وقد تركزت المضاعفات التي خلفها عام من الانتفاضة بشكل رئيسي في اسرائيل على قطاع الاقتصاد وعلى الهجرة المعاكسة التي زادت بنسبة كبيرة فيما شارون يسعى الى جلب مليون يهودي اضافي وفق خطة اعدها في غضون 15 عاما ومن الناحية الاقتصادية توقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو الاقتصادي الاسرائيلي، خاصة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الذي يساهم بحوالي 15 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي لاسرائيل. اما بالنسبة للنتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لانتفاضة الاقصى على الفلسطينيين، فقد اخذ الفلسطينيون في حساباتهم احتمالات تحول المواجهة مع اسرائيل الى حرب اقليمية، او على الاقل الى حرب واسعة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، عن طريق تصاعد وتيرة الاعتداءات التي بنى عليها شارون مشاريعه التي تراوحت في حدها الادنى تجريد التنظيمات الفلسطينية من سلاحها اعتمادا على مقترحات وتقارير قدمها مسئولون أمريكيون «للتهدئة» و«تبريد» حدة الازمة، وفي حدها الاقصى استخدام اعلى درجات القوة لارغام الفلسطينيين على القاء السلاح و«رفع الراية البيضاء». والحد الثاني هو الذي راود رئيس الوزراء الاسرائيلي وخطط لانجاحه لالحاق هزيمة كاملة بالسلطة الفلسطينية كفيلة بتجريدها من كل شروطها ومطالبها السياسية. وتبرهن دراسة مركز زايد ان الانتفاضة قد نجحت، في عامها الأول، باحباط الحدين معا. فالحد الادنى لنزع سلاح التنظيمات الفلسطينية، على ايدي رجال السلطة لم يكن قابلا للتنفيذ. والحد الاخر، عجز رئيس الحكومة الاسرائيلية عن وضعه موضع التنفيذ، لذلك جاءت حصيلة عام من المواجهة، من الناحية الفلسطينية، بنتائج تبشر بالخير مع دخول انتفاضة الاقصى عامها الثاني، ومن هذه النتائج ان الانتفاضة نجحت في اعادة القضية الفلسطينية الى موقعها الصحيح من اهتمام العالمين العربي والاسلامي. ونجحت ايضا في رص صفوف الفلسطينيين حول شعار «الثوابت الوطنية» بحدها الادنى اقامة دولة فلسطينية على الاراضي التي احتلتها اسرائيل في العام 1967، وفي تحقيق مصالحة مقبولة مع سوريا، فاسرائيل التي لم تطمئن لعودة العلاقات بين السلطة الفلسطينية وسوريا الى طبيعتها، حاولت تعطيلها بوعود و«اغراءات سياسية» كان اقصاها موافقة شارون على لقاء يعقده وزير خارجيته شيمون بيريز مع الرئيس عرفات! وليس مصادفة ان «يفوض» شارون بيريز للقاء رئيس السلطة الفلسطينية في 12 سبتمبر 2001، وهو التاريخ الذي كان من المفترض ان يتوجه فيه عرفات الى دمشق للقاء الرئيس السوري بشار الاسد.. وعدم نجاح الموعد في ذلك التاريخ يعود الى انهماك العالم بالتفجيرات التي حدثت في نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر. ورغم ان اسرائيل وصلت الى درجة عالية جدا من العنف ضد الفلسطينيين، فانها لم تكف عن القول بأن الازمة لا تحل بالوسائل العسكرية. وحاولت اسرائيل انهاك الفلسطينيين وارباكهم، والنيل من معنوياتهم، بعمليات متتالية وسريعة، واذا كان من المبكر الجزم بأن الانتفاضة حققت «توازن ردع» مع اسرائيل، فقد اقتربت كثيرا من حافة التكافؤ، وهذه واحدة من الانجازات الاهم التي حصل عليها الفلسطينيون في العام الأول.