شكلت قضية مقتل «س .أ» الملقب «بطاي» لغزا لرجال التحريات بشرطة دبي فقد كان يتمتع بسمعة طيبة وسط أصدقائه ولكن ربما كان تميزه بالقوة البدنية التي طالما تباهى بها ودفعته للاصطدام ببعض الشباب بصورة عنيفة الدافع لقتله. ولكن المعلومات التي جمها رجال التحريات حول اللحظات الاخيرة للمجني عليه والتي ادلى بها احد اصدقائه تبين منها ضلوع العنصر النسائي في الجريمة فكان ذلك الخيط الذي ادى الى فك اللغز . وكانت البداية بلاغا تلقته الشرطة عن غياب «بطاي» لمدة ثلاثة ايام وفشل ذويه في الاتصال به عبر الهاتف النقال الى ان عثرت عليه احدى الدوريات التابعة لمخفر الهباب مقتولا داخل سيارته النيسان بترول بأحد الشوارع الترابية المتفرعة من شارع دبي العين بالقرب من الجسر الخامس في حالة تعفن وبها عدة طعنات بآلة حادة بعد ان تم توثيقه بواسطة حبال بلاستيكية . وحسبما جاء «بمجلة الامن» عدد الشهر الجاري والتي اوردت تفاصيل القضية قاد هذا الخيط الرفيع رجال البحث الجنائي للعودة والغوص في خضم حياة المغدور علهم يدعمون بارقة الامل التي لاحت من بعيد التي تشير الى الطريق المؤدي الى حل لغز الجريمة، فالحقد باد في طريقة تنفيذها والاصرار والتصميم القوي لازهاق روحه بعد ان تم شد وثائقه وأصبح لا حول له ولا قوة . وضع فريق البحث والتحري عناصر المشاجرة التي دفعت بالمغدور الى السجن وأرسلت ضحاياه الى المستشفى لتلقي العلاج وضعتهم في دائرة الشك وبتتبع المحادثات الاخيرة التي تمت من والى هاتف المغدور . تبين ان احد الارقام الذي تكرر عدة مرات عائد الى امرأة يرتبط اسمها عائليا مع اسم احد ضحايا المشاجرة المدعو فهد، فتم الاتصال به واستدعاؤه بصورة عادية لا تشعره بأن وراء الاكمة ما وراءها، وحضر وهو يضرب اخماسا في اسداس ويسأل نفسه: هل سقطت يا فهد وتم كشف المستور؟ وحاول ان يغالط نفسه ويقاوم شعوره بالسقوط والتخاذل وبدا متماسكا وهو يجيب على استفسارات رجال البحث الجنائي وهم يحيطونه بأسئلتهم التي احرجته كثيرا وجعلته يتلعثم وأحس بأنه هالك لا محالة فطلب كوب ماء يروي به الظمأ والجفاف الذي اصاب حلقه وجوفه حتى تعطل لسانه وعجز عن الرد على الاستفسارات المتلاحقة الموجهة له، فتأكد تورط فهد في الجريمة وتحركت الفرق الميدانية للقبض على شلته والتي تصدرها اخوه من والدته ويدعى جمعة، كما تم القبض على صديقيه: سيف وريسان . وانهار جبل الجليد وذهبت مقاومته ادراج الرياح وتوالت اعترافاته التي حاول بقدر ما استطاع ان يجمل بها نفسه . وكانت البداية قبل عام ونصف، بحادث المشاجرة التي ضمت عدة اطراف بمنطقة العوير الصناعية بأحد الكراجات حيث تعرض للاعتداء من قبل (بطاي) الذي لم يكن يعرفه من قبل بل علم لاحقا بأنه يدعى سعيد وقد كانت معه مجموعة من الشباب، الا ان كفة سعيد رجحت حيث صال وجال بالسيف فألحق به اصابات ادخلته المستشفى وتم ابلاغ الشرطة بالواقعة، ودفع بالمتورطين في تلك المعركة للمحكمة وصدرت ضدهم احكام بالسجن . يقول فهد: ان ذلك لم يشف غليلي وظلت النار مشتعلة في داخلي تتزود من احساسي بالمهانة والمذلة التي تؤججها كل يوم مشاهدتي لأثر ضربة السيف على يدي اليمني . وظل الانتقام يراودني ولا يفارق مخيلتي الى ان التقيت (بطاي) مصادفة قبل فترة وتدخل من كان معه لاصلاح ذات البين وحاول هو الاعتذار الذي قبلته ظاهرا ودواخلي تشتعل، وتعالت صرخات الانتقام حتى طغت على كل حواسي وجلست افكر في التنفيذ . واختمرت الفكرة في ذهني واتجهت مباشرة للتنفيذ حيث سخرت صديقتي اسماء في ذلك بأن قدمت لها بطاقة هاتف اختي وزودتها برقم سعيد الذي حصلت عليه منه في جلسة الصلح العابرة وطلبت منها ان تداوم على الاتصال به وتحاول ان تقيم معه علاقة عبر الهاتف وتحاول استدراجه دون ان يحس بأن هناك مؤامرة تحاك حوله، وكنت اتلقى التقارير منها اولا بأول وكنت اوجهها وهي تنفذ حتى توصلت الى اقناعه بمقابلتها بعد ان اسرت له بأن ذويها يمتلكون مزرعة بمنطقة الروية، وعن احساسها بالملل اثناء وجودها في المزرعة مع ذويها يومي الخميس والجمعة وهنا تولدت الرغبة في الالتقاء به ووقع بطاي في المصيدة . وظلت المحادثات تتكرر تحت اشرافي حتى وصلت الى مرحلة الاثارة فأيقنت بأن ساعة التنفيذ قد دنت وبدأت في ترتيب الامور وتسارعت الوتيرة واتفقت اسماء مع سعيد على ان يلتقيها في العاشرة مساء الاربعاء الذي سبق الحادث، ولكني طلبت منها تأجيل الموعد حتى ارتب خطتي واعد لها جيدا في كيفية الوصول الى مكان اللقاء، واستعنت بأحد اصدقائي ويدعى ريسان بعد ان التقيته انا واخي جمعة الذي شرحت له تفاصيل خطتي منذ البداية ورجوت ريسان كصديق ان يقدم لي المساعدة وشرحت له دوره المتمثل في تنكره بزي امرأة وان ينتحل صفة ابنة خالة صديقتي اسماء عند مرافقتها لمقابلة سعيد وتمكنت من اقناعه في النهاية بتمثيل دوره ووعدته بأن أزوده بالملابس التنكرية . عدت واتصلت بريسان وحددت له ساعة الصفر في العاشرة من مساء الخميس حيث سنمر لأخذه بسيارة صديقي سيف الذي اقنعته ايضا بالمشاركة معنا . وقبل الموعد بفترة وجيزة تحركت بالسيارة ومعي سيف حيث التقينا اسماء بالقرب من منزلهم ولقنتها دورها جيدا، المتمثل في ذهابها مع ابنة خالتها المتنكرة والالتقاء بالضحية في المكان المتفق عليه بالقرب من حديقة الصفا وينتهي دورها في التمهيد للهجوم بمشاغلة الضحية والنزول فور مداهمتنا له بالسيارة وتم اطلاق اسم حركي لابنة خالتها المزعومة (ميثاء) . وباكتمال العناصر المنفذة للجريمة قمت بايصال اسماء وميثاء الى موقع اللقاء وعدت واصطحبت باقي العصابة بعد ان تلقيت مكالمة هاتفية من اسماء وهي تسألني عن مكان تواجدنا وعندها اخبرتها بأننا سوف نأتي بالسيارة بالقرب من سيارة الضحية وكان الضحية وقتها منتشيا وهو يتجول بالسيارة في المنطقة وطلبت من صديقتي ان تطلب منه العودة الى المكان الذي ركبت منه، وبالفعل امتثل وعند توقفه باغتناه بالهجوم بعد ان اوقفنا سيارة سيف بالقرب منه وبعد ان ادعت ميثاء عزمها على النزول وبالفعل فتحت الباب وسهلت مهمة المهاجمين واطبقنا عليه في ثوان بعد ان شللنا حركته بتوثيق قدميه ويديه بقيود بلاستيكية كنت قد اشتريتها من سوق نايف ضمن تحضيراتي للجريمة، وحينها احس بطاي بأن الشرك قد اطبق عليه وأنه مقتول لا محالة فتوسل الينا بأن لا نقتله ولكن شهوة الانتقام كانت اقوى من توسلاته . انطلق جمعة بسيارة الضحية بأقصى سرعة متجها الى شارع دبي العين، واتصلت بسيف واستفسرت عن مكان وجوده فأجابني بأنه اوصل صديقتي اسماء الى منزل ذويها وطلبت منه الحضور الينا بعد ان وصفت له الطريق الذي سلكناه . وتابعنا سيرنا حتى وصلنا قرب الجسر الخامس فانعطفنا في شارع ترابي معبد يطلق عليه «شارع الظلام» وتوغلنا فيه قليلا ثم اوقف جمعة سيارة الضحية وطلبت منه النزول وكشفت عن وجهي حيث كنت طيلة الوقت متلثما وعندما شاهدني سعيد صاح مستغربا ومستهزئا هذا أنت؟؟ وكانت اجابتي له ان طعنته مرتين بالسكين التي كنت قد أعددتها لذلك، وتوالت الطعنات على رقبته وصدره وانفجرت نافورة من الدماء لوثت ملابسي ولم يتكلم أو يصرخ وتحمل الألم صامتا كأنه يشيعني بحسرتي ونزلت من السيارة وشاهدت اخي يتابع الاحداث عبر الباب الخلفي للسيارة وفي ذلك الوقت كان سيف قد وصل بسيارته فركبنا نحن الثلاثة معه واتجهنا الى قرب منزل ريسان حيث بدلت ملابسي التي تلطخت بدماء الضحية بجلباب كنت قد اعددته مسبقا وكانت عقارب الساعة تقترب وقتها من منتصف الليل . تلك كانت اعترافات المجرم التي كشفت تفاصيل الجريمة التي أكدت ان فرق البحث الجنائي سارت في الطريق الصحيح، وانهار بعد ذلك باقي التشكيل الاجرامي الذي انساق وراء الحقد الاسود والذي اكتسى القاتل فأزهق روحا حرم الله قتلها الا بالحق وجرف معه شبابا ستظل صورة الجريمة مرسومة في خواطرهم ومحفورة في سويداء قلوبهم ما ظل فيهم عرق ينبض . وتتابعوا في الادلاء باعترافاتهم كأنهم يهربون من انفسهم بل وكأنهم يودون ان يزيحوا هذا الكابوس عن خواطرهم وان يتخلصوا من هذا الحمل الثقيل الذي يجثم على صدورهم ويكتم انفاسهم . وانطلقت احدى الفرق الميدانية وألقت القبض على أسماء، العنصر النسائي المشارك في الجريمة، والتي تجردت من كل القيم والمثل والاخلاق وشاركت في استدراج المغدور عبر محادثات هاتفية مائعة نفذت عبرها مخطط الجلاد الذي سعى لازهاق روح ضحيته بل واستجابت طائعة مختارة لكل تعليماته بعد ان ارتبطت معه بعلاقة آثمة، فأحضرت كسيرة الخاطر تجرجر أذيال الخيبة وينتابها الشعور بالفزع لعظم الجريمة التي شاركت فيها بوعي وبلا وعي . ومن حرارة الهجير ولسعات اشعة الشمس المحرقة هدأت واستكانت فرق البحث الجنائي وخلدت عناصرها الى استراحة محارب مؤقتة . وتسللوا عائدين الى أسرهم بعد أن افترقوا عنها عدة أيام الا عبر الهواتف قضوها في الاجابة عن سؤال .. من قتل بطاي!!