إن أحد أهم جوانب التحسين المستمر للأنشطة الصحية تجد تعبيرها وتجليها في اللامركزية النظام الصحي بمدى التفويض للمسئوليات والصلاحيات من السلطات المركزية إلى السلطات المحلية في تخطيط وتنظيم وادارة واستخدام الموارد المادية والبشرية وغيرها، وفق الاحتياجات والأولويات للخدمات والبرامج الصحية المحلية. ولكن ضعف الاهتمام بالعملية الادارية داخل الأنظمة الصحية لا يزال يؤثر على كفاءة وفعالية مختلف أنشطة الرعاية الصحية. وبما ان الخطط الاقتصادية في الغالب لا تأخذ بالحسبان أهمية الوضع الصحي للقوى العاملة المنتجة، لذلك فان الانتاجية الاقتصادية تتعثر دوما بوضع صحي غير مناسب. ولان الصحة الهزيلة تعيق وتائر النهوض الاقتصادي، مما يتطلب تحقيق مستوى من الصحة يسمح لأفراد المجتمع بأن يعيشوا حياة منتجة اقتصاديا واجتماعيا. لقد أثبتت الأساليب القديمة في تناول المشاكل الصحية على انها غير كافية وغير ملائمة إلى حد بعيد في جميع مراحل التنمية الصحية، كما ان اللامساواة في الوضع الصحي وفي توزيع الموارد الصحية باتت أمرا لا يحتمل. وبالنظر إلى الوضعية الراهنة للمؤسسات الصحية والبنية التحتية والعاملين الصحيين والمعدات والموارد المالية والبرامج الحالية ونتائجها في العديد من بلدان العالم، فذلك يدعو إلى الاعتراف بأن قاعدة هرم النظام الصحي لا تزال ضعيفة، وان التعاون والتنسيق مع القطاعات داخل وخارج الصحة لا تزال محدودة، ومشاركة المجتمع هي الأخرى تحتاج إلى مزيد من الجهد. يصعب على المرء رسم الصورة الكاملة لخارطة النظام الصحي من خلال الهياكل التنظيمية لوزارات الصحة وكيفية أدائها لمهامها. وعادة ما يتوقف تصميم هذه الهياكل وفي فترات زمنية مختلفة استجابة لمشاكل لوحظت في النظام الصحي دون أن تكون لها علاقة بأية خطة شاملة أو سياسة صحية واضحة المعالم. وجميع تلك الهياكل واللوائح التنظيمية تقتصر على كونها ـ وثيقة محفوظة ـ في المستوى المركزي وتظل كذلك دون تفعيلها. أما على المستوى المحلي لا تزال الخدمات الصحية تعاني من نقص للكوادر الفنية والادارية المقتدرة والاحتياجات الصحية الأخرى لتسيير شئونها وتنظيم خدماتها، وفي الوقت ذاته لا تتمتع بالصلاحيات والمسئوليات في اطار التنظيم الحالي للنظام الصحي. وتعود سيطرة المركزية على نظام الدولة لأسباب تكون مبررة في مرحلة تاريخية وذلك لضمان وحدة الأراضي وكذلك الحاجة للتركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولكن استمراريتها قد كلفت ثمنا أكثر من الفائدة. والمركزية المتبعة في تنظيم الخدمات الصحية والتي لم تطرأ عليها التغييرات لفترات طويلة ستظل منهمكة بالمشاكل الآنية واليومية أكثر منها بالشئون المستقبلية. ولذا فان الموارد المخصصة للرعاية الصحية لم تكن تستخدم بشكل رئيسي لحل أولويات المشاكل للوضع الصحي، وكذلك أيضا لم تستخدم تلك الموارد بطريقة أنسب مهنيا وفنيا. وفي بعض البلدان التي تحاول القيام بتطبيق اللامركزية على المستويات المحلية ينتج عنها حالات المركزية، أو ان تطبيق مفهوم اللامركزية يعني مجرد تفويض الصلاحيات من شخص في الهيئة العليا إلى شخص في الهيئة المحلية. ويجب أن يكون واضحا بأن اللامركزية لا تعني تفويض الصلاحيات فقط، لان تفويض الصلاحيات يمكن أن يتم دون وجود مسئولية حقيقية، ولان المسئولية هي التي يتم تخويلها قانونيا أو دستوريا. والتفويض الفعال يتم من خلال الاستخدام الأمثل للوقت والمقدرة والموهبة. ولكن عادة ما يتم التفويض خارج الضرورة، وذلك بكل بساطة عندما تكون المهام التي يجب القيام بها كثيرة ولا يستطيع أداءها بمفرده. كما ان اللامركزية تعتمد على أمور يصعب تحديدها وقياسها بدقة، ونعني بذلك «ثقافة الأنظمة الصحية» ومن ضمنها خبرات وتوقعات الموظفين على المستويات المركزية والمحلية، وكذلك شعور الموظفين المحليين للسلطات المتاحة لهم بغية اجراء التغيير إلى جانب مقدراتهم ومهاراتهم للقيام بذلك. وتعني اللامركزية في جوهرها منح الثقة للقدرات الكامنة في الناس وامكانياتهم في المبادرة والابداع. وتشتمل آلية السلطة في الهيئات والمؤسسات على مجالس الادارات وتشكيلات ادارية (كما تشير اليها هرمية الهياكل التنظيمية)، ومثل هذه الآليات الرسمية تحدد من يمتلك السلطة في اتخاذ القرارات. وفي هذا السياق فان المجالس الصحية يمكن أن تلعب دورا مهما في تخطيط وتنظيم تقديم الخدمات الصحية وتحسين أدائها، وعلى سبيل المثال: الهيئات الاستشارية، مجالس الادارات، الهيئات الصحية. وتتحدد نطاق مسئولياتها وصلاحياتها وكذلك طريقة تعيينهم أو انتخابهم وفق معايير تجعل من أعضائها أصحاب كفاءات وخبرات في المجال الصحي. وعندما لا تستطيع الحكومات تحمل متطلبات التوسع في الخدمات الصحية أو الانفاق على الخدمات الراهنة، فانها تبحث عن مصادر التمويل والطرائق البديلة لتقديم الخدمات الصحية. ولقد أصبحت الخصخصة مسألة ايديولوجية في البلدان المتقدمة على وجه الخصوص، وكشعار يحاول نقل مفهوم اقتصاد السوق وتجسيد اللامركزية للرعاية الصحية في نظام السوق كما يعتبره أنصاره. وفي اطار مناقشة الخصخصة في الخدمات الصحية تظهر بعض الاعتبارات المعقدة ومنها: ما يتعلق في قدرة المنتفعين على الدفع، الاجراءات والأنظمة الحكومية، مدى تعارض الخصخصة مع الأهداف الرسمية وخاصة ما يتعلق بالعدالة وسهولة الوصول إلى الخدمات الصحية. وعموما فان ضعف الاهتمام بالعملية الادارية (التنظيم، التخطيط، التمويل، الادارة والتقويم) في الخدمات الصحية يشكل عاملا في عجزها على الانتقال إلى الادارة الحديثة القادرة على التفويض للمسئوليات والصلاحيات. والعديد من الاستراتيجيات لا تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب اتباع الأساليب القديمة، والطاقات الخلاقة لم تفسح أمامها المجال من أجل القيام بالمبادرات واتباع الأساليب الجديدة في تحقيق التنمية الصحية. ولان الخدمات الصحية لا تزال تعج بالاحتياجات والمشاريع والمشاكل المختلفة مما يتطلب البناء وتنمية القدرات الجماعية بغية مجابهة التحديات القائمة والقادمة وتحقيق التقدم. وفوق كل ذلك، لابد من تعلم ومعايشة مفهوم السلطة التي ترتكز على المبادئ، لان فهمها يخلق ممارسات فعالة. كما ويجب ان تكون للسلطة شأن في حياتنا وذلك بالبحث عن ان أولادنا ينصتون إلينا، وبأن العاملين والموظفين يعملون معنا وليس ضدنا، وبأن أصدقاءنا يحترموننا. وفي الأخير، فان كل ما طرأ على الخدمات الصحية في هذا الخصوص ـ برغم الجهود والاجتهادات التي بذلت ـ لم تجد لها صدى قويا في الحياة التنظيمية لانها لم تقترب كثيرا من التحويلات الجوهرية المطلوبة. وستظل المركزية واللامركزية أمرين ضروريين لأي نظام صحي، ولكن الأمر يتعلق في ماهية التوازن الذي يجب أن يوجد؟ وفي أي اتجاه يجب أن يتحرك؟ وما هي الوسائل المتوفرة لتغيير التوازن القائم؟. بقلم: د. عبدالله عبدالرحمن بامشموس ـ اختصاصي الصحة العامة