تزامنت مناسبتان في هذا العام هما: عيد الفطر المبارك ويوم رأس السنة الميلادية فالمناسبة الاولى مناسبة تحتفل بها الامة الاسلامية من شرقها الى غربها, لانها احد العيدين اللذين شرع الاسلام الاحتفال بهما. والمناسبة الثانية مناسبة يحتفل بها العالم العربي والغربي في كل مكان, وكأنها صارت جزءا من تقاليدنا واعرافنا. احتفالنا بالمناسبة الاولى نابع عن دين ندين به, ونتعبد به, ونؤجر عليه عند الله. واحتفال العالم بالمناسبة الثانية عبارة عن طقوس تؤدى هنا وهناك, وهو ليس من قبيل العبادة بل العادة, لذلك فإن ابناء العالم يتفنون في الاحتفاء به, ويقضون ليلة رأس السنة في احتفالات راقصة. احتفال الامة الاسلامية بعيد الفطر كان احتفالا بانتهاء شهر الصوم الذي كان متصلا بسهر الليل, وجوع النهار, وكان مفعما بالذكر والتلاوة وصون النفس عن الخنا والفجور. كان عيد الفطر عبارة عن شكر المنعم الذي وفقهم لمثل هذه الطاعة الجليلة التي تميز بها الاسلام. وقف المسلمون في كل مكان من العالم يكبرون ويهللون على توفيق الله لهم بصوم الشهر الفضيل, وادراك هذا اليوم الغر من شوال. وفي الوقت نفسه تضرعوا الى الله بأكف الرجاء بأن يتقبل طاعتهم بعيدا عن البهرجة والرياء وان يعيد اليهم رمضان في العام المقبل وهم في اتم الصحة. اما احتفال العالم برأس السنة فلم يكن من هذا القبيل لانه لا يرجى منه ثواب أخروي, لذلك فإن الاحتفال برأس السنة يكون احتفالا يملؤه صخب الرقص, وضجيج الغناء وقرقعة الكؤوس, فهم عندما يحتفلون يحزنون على العام الذي مضى وقد كان مليئا بمثل ما ذكرنا, ولكنهم لا يظهرون حزنهم بل يظهرون ابهج مظاهر الفرحة والسرور تيمنا وتفاؤلا بأن يكون عامهم الذي هل عليهم مثل عامهم الذي مضى في السرور, أو اذا كانت له جوانب قاتمة يكون عامهم الجديد اكثر اشراقا وبهجة من العام الذي مضى. هذه النظرة التشاؤمية او التفاؤلية نظرة دنيوية بحتة كما قلنا ولا تمت الى الآخرة بصلة, لذلك فإن المهم عندهم ان يقضوا تلك الليلة وهم في قمة سرورهم ولذتهم واستمتاعهم بالحياة لماذا؟ لان السعادة عندهم هي الساعة التي يقضونها في الدنيا مع هذه اللذة الفانية, من غير ان ينتظروا شىئا بعد ذلك, وقد قال احد الشعراء على لسان هؤلاء: انما الدنيا طعام وشراب ومنام فاذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام لكننا نحن العرب المسلمين حتى لو كنا نشارك العالم في احتفالهم بهذه المناسبة من باب المجاملة فإن في قرارة انفسنا غير الذي نظهره للعالم, لاننا امة ربانا ديننا على اننا نولد لنحيا, ونحيا لنموت, ثم نحيا مرة اخرى, لماذا؟ لان حياتنا في الدنيا هي حياة مسافر لا اكثر, عشنا سنة أو الف سنة فإن نهاية المطاف في الدنيا موت من غير شك, واذا كان كذلك فمن الغباء ان نخرج منها صفر اليدين. ومن طريف ما يروى في الاحاديث القدسية ان الله تعالى ارسل ملك الموت الى احد عباده ليقبض روحه فلما علم بذلك صفعه ففقأ عينه, فذهب الملك الى ربه واخبره بالخبر وقال يا رب: ارسلتني الى من لا يحب الموت؟ قال الله تعالى ارجع اليه وقل له ضع يدك على ظهر ثور, فذهب اليه وقال له ضع يدك على ظهر الثور, فوضع فقال له الملك ان الله قد ارسلني اليك لاقول لك: انك تعيش بعدد هذه الشعرات التي لا تعد, قال الرجل وماذا بعد ذلك؟ قال تموت, قال وبعد ذلك كله اموت؟ قال الملك نعم, قال الرجل اذن فاقبض روحي الآن, ما دامت نهايتي الموت. مثل هذه الاحاديث في الحقيقة تجعلنا نزداد قناعة بأن الدنيا ليست كل شىء, وان احتفاءنا بها يجب ألا يتجاوز حد المعقول, اذ ربما اسرفنا على انفسنا وبالغنا في تقديس انفسنا وشهواتنا فذهبنا ضحية غدر الدنيا, وصدق الشاعر الذي يقول: ولو انا اذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا اذا متنا بعثنا لنسأل بعده عن كل شيء هذه المقولة هي مقولة شاعر لكنها في الحقيقة نابعة عن نفس مطمئنة بالايمان, وينبغي ان نكون نحن كذلك ونحن نستقبل الالفية الثالثة, ونعيش القرن الواحد والعشرين. اننا نحن العرب المسلمين لسنا بدعا من العالم, بل جزءا مهما من العالم, لكن يجب ألا ننسى ان هناك مسئولية تقع على عاتقنا, وهي مسئولية حياة الضمير او موت الضمير في ظل هذا الانفجار العالمي. ان العالم يتفجر بالغناء ولكننا يجب ان ننفجر بالذكر والدعاء, وهذا لا يعني ان نبحر ضد التيار, وان نعتزل العالم, وان نحرم انفسنا من علوم العصر ومن مباهج الحياة وان نحبس انفسنا في قماقم, وقد خلقنا الله احرارا. كلا ثم كلا, ولكنني اقول ان الحياة من غير دين جسد من غير روح, والامة من غير اخلاق امة من غير حياة. ويكفي ان بلدا مثل امريكا تعترف بأنها فقدت اليوم السيطرة على الشباب لانها انفتحت على الحريات اكثر من اللازم. اذن فالتكنولوجيا ليست كل شيء والحضارة ليست سيارات وطائرات واسمنت, بل من المهم جدا ان نفسر ثورة التكنولوجيا بالمعنى الذي ذهب اليه اليابانيون حيث يقولون: اخلاق الشرق وعلم الغرب. اقول وهذا ليس تعصبا منهم بل اعتزازا بأصالتهم وقيمهم وتراثهم وتقاليدهم لعلمهم بأنه لا جديد لمن لا قديم له, كما ان الحضارة هي قيم وسلوك وما نراه اليوم في مجتمعاتنا نحن العرب والمسلمون مظاهر الحضارة التي هي اشبه شيء بالقشور. فلنشارك اذن العالم في استقبال العام الجديد باعتباره نهاية فترة من الزمن لكن يجب ان نضع في اعتبارنا ان الكليم والمسيح وسيدنا محمد بن عبدالله عليهم الصلاة والسلام جاؤوا جميعا ليخلصوا البشرية من مظاهر الشرك والوثنية, وان يدعوا الناس جميعا الى عبادة الله الواحد الأحد, وان يقولوا للناس أيها الناس ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. جاؤوا ليقولوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم, لا للعنصرية ولا للتعالي على الناس كلكم من آدم وآدم من تراب. نعم كان التوحيد دعوة الانبياء والرسل جميعا, وكان العدل والصدق والامانة صفات الانبياء جميعا, وكلهم دعو البشرية الى العمل في الدنيا من أجل الآخرة باعتبار أنها هي دار القرار. وسوف تلتقي الأديان جميعا أمام رب العالمين, ويقف جميع الرسل بأممهم أمام الله, ويسأل كل أمة عما فعل نبيها, دعاها أم لم يدعها, وسوف يكون رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شاهدا على صدق دعوى الانبياء والرسل جميعا, كما ورد في الآية الكريمة: (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا, يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا). هكذا نجد أن المسألة ليست مسألة انقضاء عام و إهلال عام, ولكن المسألة مسألة: بماذا ملأنا العام؟ اعتقد اننا مطالبون بأن نعلم أولادنا الاجابة على مثل هذا السؤال, والا فان الاجيال القادمة الذين يولدون تحت الدشات وما لم يستحدث بعد فانهم سوف يعانون من الحياة, مع العلم بأننا اليوم بدأنا منها نعاني, أليس كذلك؟ د. عارف الشيخ