في دراسة اعدها الدكتور نوري الوائلي مدير مركز دبي الطبي التخصصي ومختبرات الابحاث الطبية عن البحث العلمي وكيفية ان يكون مثلثا معتمدا في بناء جوانبه وزواياه على الدولة والمجتمع والباحث العلمي يشير فيها الى انه لا يختلف اثنان على اهمية البحث العلمي. ودوره المهم في تقدم الامم والشعوب والبحث عن حقيقة الظواهر الطبيعية والحياتية والكونية هي من صفات الانسان لما اعطاه الله سبحانه وتعالى من قدرة التفكير وحب المعرفة ورغبة الاطلاع بحافز او بدون حافز. فالبحث اما ان يأتي لدراسة وحل مشكلة من المشاكل او دراسة ظاهرة من الظواهر وقد يكون له مردود آني وفائدة ملموسة او ان يكون بناء للمستقبل واساسا لابحاث ودراسات قادمة, وشهد العالم خلال العقود الاخيرة قفزة ضخمة في الاختراع والاكتشاف والتطوير وانقسم العالم الى غني وفقير ومتقدم ونام, اعتمادا على نتائج الابحاث العلمية في مختلف جوانب الحياة لذلك فإن البحث العلمي ضروري للحياة ومطلب ملح للتقدم والنهوض وبدونه الركود والتخلف فهو حاجة اساسية وليس كمالية ومطلب مهم يجب المناداة به والعمل من اجل تحقيقه وتنشيطه على كافة الاجهزة. دور الدولة في دعم البحث العلمي للدولة دور هام جدا وقيادي في عملية دعم البحوث العلمية في جميع الميادين وهي المسئولة عن تقدم او تأخر البحث العلمي بصورة عامة ولكي تستطيع الدولة ان تساهم في تقدم البحث العلمي لابد ان تقدم مشاريع وخطط مدروسة آنية ومستقبلية وان يكون لها الدور المؤثر والملموس ويمكن للدولة ان تساعد في تطوير مجالات البحث العلمي ودفع العجلة العلمية من خلال النقاط التالية: ـ انشاء مركز او مراكز للبحث العلمي مرتبطة مباشرة بالرئاسة او مجلس الوزراء وتكون لها استقلالية مالية وادارية وعلمية على ان يكون لها فروع داخل الوزارات والمصانع والجامعات لتقديم ودعم الابحاث العلمية الضرورية للمجتمع وتنظيم مؤتمرات وندوات وتعد دوريات علمية للتعريف بالانجازات العلمية والابحاث المنجزة ففي مختلف اقسامها على ان تحاط الابحاث العلمية بالسرية التامة. ـ تقدم الدولة الدعم المادي المميز للابحاث العلمية من خلال مواردها الطبيعية او الضرائب او غيرها من الوسائل التي تضمن استمرارية الابحاث العلمية المفيدة ذات النفع العام. ـ تسخر الدولة الوسائل الاعلامية المرئية والمقروءة والسمعية لخدمة المسيرة العلمية للبلاد من خلال التركيز على الاكتشافات في البرامج العلمية وابراز عطاءات العلماء والباحثين في كافة وسائل الاعلام والتركيز على اعمالهم واهمية الابحاث العلمية المقدمة. ـ تنظم الدولة جوائز لها مردود مادي ومعنوي للابحاث العلمية المتميزة وللباحثين المتميزين سنويا وتشجيع باحثيها وعلمائها للتنافس للحصول علىها من خلال تقديم افضل ابحاثهم وانجازاتهم العلمية. ـ تقوم الدولة بدعم وزارة التربية والتعليم بادخال دروس جديدة للابتكار والتفكير تعلم الطالب من المرحلة الابتدائية كيفية دراسة الظواهر والتفكير وحل المشاكل وتحبب لديهم رغبة البحث العلمي والاطلاع والتعلم الذاتي. ـ تحث وتدعم الدولة الجامعات والمعاهد العلمية على تعليم الطلبة اساسيات البحث العلمي وتشركهم بمشاريع بحوث علمية داخل وخارج الجامعة وتكثر من التدريب العملي لكي تخرج جيلا متدربا عمليا اكثر من التعليم النظري. ـ تحث الدولة الجامعات والمعاهد العلمية بإلزام كادرها التدريسي بالقيام بالابحاث العلمية ونشرها على ان ينشر كل كادر تدريس بحثا او ورقة عمل واحدة على الاقل سنويا. ـ حرص الدولة من خلال مؤسساتها ووزاراتها المعنية بالتعليم على زيادة نسبة الكفاءات العلمية والباحثين المتميزين اكثر من حرصها على الحصول على اعداد هائلة من حملة الشهادات العليا بدون عطاء مميز وعلمي وان يكون معيار الحصول على الوظائف العلمية والتدريسية والتطبيقية مبنيا اساسا على الخبرة بالابحاث والممارسة العلمية اكثر من الشهادات والختوم. ـ تشجيع الدولة على اعطاء ادارة الجامعات ومراكز الابحاث العلمية والمعاهد الى الباحثين والعلماء من ذوي الخبرة والممارسة العلمية والبحثية كونهم القادرين اكثر من غيرهم للنهوض بهذه المراكز الحساسة. هذه بعض الجوانب القليلة التي يمكن للدولة ان تقوم بها ولو بصورة اولية للنهوض بالبحث العلمي في البلاد العربية. دور المجتمع للمجتمع دور لا يقل عن دور الدولة في دعم وتشجيع البحث العلمي فعندما يثقف المجتمع فإنه يصبح متفهما لدور الابحاث العلمية في تطوره ورفاهيته وتقدمه ويوجد في المجتمع مؤسسات خاصة كثيرة وعامة وفردية يمكن ان تدعم البحث العلمي من خلال: 1 ـ الطبقة الميسورة وصاحبة المال ممكن ان تقدم الدعم المالي من خلال التبرعات للجامعات والمراكز البحثية والتدريبية. 2 ـ الطبقة المتعلمة والمثقفة ممكن ان تساهم بأقلامها وارائها لتشجيع البحث العلمي ودعم الباحثين. 3 ـ شركات وجامعات ومعاهد ومصانع القطاع الخاص ممكن ان تدعم مسيرة البحث العلمي من خلال فتح مراكز بحثية وعلمية في اقسامها ودعم المراكز العلمية والبحثية الاخرى والتعاون معها لاجراء الابحاث العلمية ذات النفع العام. 4 ـ زيادة التوعية العلمية للاجيال القادمة من خلال الاسرة والاب والمعلم وعالم الدين والمدرسة والمسجد فكل فرد من المجتمع يمكن ان يؤدي دوره من خلال الكلام او التبرع او المساهمة في دعم الابحاث العلمية. دور الباحث العلمي يعتبر الباحث العلمي اهم زاوية من زوايا مثلث تطور الابحاث العلمية واعتقد بأن له 50% من الدور والعبء الاساسي للتطور البحثي والعلمي وللدولة 25% والمجتمع 25% فدور الدولة المهم في تطور الابحاث العلمية هو اعداد باحثين وعلماء قادرين على التفكير والبحث ويتم دعم مشاريع بحوثهم في الدولة والمجتمع, لذلك فإن نجاح اي مشروع استراتيجي آني او بعيد المدى يتم بالدرجة الاولى بتوفير كادر بحثي, فالبحث العلمي يحتاج الى درجة عالية من الذكاء والقدرة على التفكير والاستنتاج والتصور وربط المعارف والمشاهدات والصبر والمثابرة وحب العلم كعلم وليس كمهنة وكذلك القدرة على كتابة الابحاث والنتائج بأسلوب علمي مقنع مهيئا للمناقشة والطرح والقبول بالاضافة الى ذلك فإن البحث العلمي يحتاج الى معرفة كافية وإلمام شامل بجميع مستلزمات البحث العلمي في القراءة والمعرفة النظرية والقدرة العملية والخبرة في التعامل مع الاجهزة والادوات المخبرية, هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فإن حب الباحث للبحث والمعرفة والتقصي هو اهم عامل اساسي ودافع مهم للتطور العلمي والبحثي. فهذه المواصفات قد لا تكون موجودة عند حملة شهادة البكالوريوس او الماجستير او حتى الدكتوراه بل وكثيرا ما نراها عند باحثين لا يملكون الشهادات العليا فواقع الحال يدل على ذلك فكم يوجد في البلاد العربية من حملة الشهادات العليا وكم عدد الجامعات العربية وكم عدد العاملين بها وكم عدد مراكز الابحاث العلمية ناهيك عن عدد الاجهزة والمختبرات والمواد البحثية والمستشفيات والمراكز الصحية بل وكم عدد الظواهر التي تحتاج الى دراسات او عدد الامراض واختلافها فكلها كبيرة وكثيرة وواسعة, ولكن كم عدد الابحاث العربية المنشورة, كم منها اصيل ومبتكر, وكم منها دخل المصادر العالمية او المراجع العلمية المعتمدة, كم منها دخل التطبيق الفعلي كوجود زجاجة دواء لمكتشف عربي في صيدلياتنا او آلة مخترعة تخدم المنزل والسوق والمعمل لمهندس باحث عربي, هل العطاء الذي قدمه المؤهلون لاجراء الابحاث من حملة الشهادات يوازي عددهم او ما موجود من امكانات فعلية؟ الجواب هو لا واعتقد أن الكثيرين لديهم نفس الاجابة. اذن أين الخلل الاساسي في تأخرنا العلمي واعتقد والله اعلم بأن المؤهلين للبحث والدراسات يقع عليهم الوزر الاكبر وكذلك لمؤسساتهم التي يعملون بها وللتعامل مع هذا الجانب يمكن دراسة الامور التالية: 1 ـ عدم اشغال الكادر العلمي المؤهل للبحث بالامور الادارية البحتة بصورة كاملة. 2 ـ تفرغهم للابحاث العلمية أو تقليل ساعات تدريسهم بالنسبة الى الهيئات التدريسية. 3 ـ توفير المناخ المناسب لعمل الباحثين وخاصة تسهيل حصولهم على مواد واجهزة البحث من خلال الامكانات المتوفرة في كل بلد. اما بالنسبة الى مؤهلين للقيام بالابحاث العلمية فيجب عليهم حب البحث العلمي أولا ويمكنهم القيام بأبحاث كثيرة جدا ومتنوعة ضمن الامكانات الموجودة فعليا ولكن مع الاسف فإن المؤهلين معظمهم يقولون بأنه لا توجد امكانات مادية او معنوية تساعدهم على البحث العلمي او لانشغالهم في الامور الادارية او التدريسية ولكن في الوقت نفسه يوجد باحثون متميزون يعملون في البلاد العربية وايضا لديهم مسئوليات ادارية او تدريسية ويبحثون وينشرون ابحاثا محترمة.