ليس هناك جدل حول اثر التعليم وضرورته لتحقيق النمو والتنمية, فالمتغيرات التي تحدث في العالم ككل والدول العربية بصفة خاصة تحتاج بصفة اساسية لزيادة قدرة افراده على استغلال الطاقات المتاحة لتلك المجتمعات الى اقصى حد ممكن. وبدون شك يقوم التعليم بدور حيوي في زيادة قدرات افراد المجتمع ومساعدتهم على احداث التنمية وتحقيق اهداف المجتمع, اذ كان للمجتمع اهداف وفلسفة واضحة المعالم, فقد اصبح من المعترف به ان اكبر معوقات التنمية العربية الشاملة النقص الحاد في القوى البشرية المدربة والمؤهلة تأهيلا علميا مناسبا, وان التعليم هو المفتاح السحري لكل تنمية وتطوير, على اعتبار ان التعليم لم يعد خدمة عامة من ضمن الكماليات بل اصبح عملا استثماريا ذا عائد محسوب. ولعل من اهم الحقائق المعروفة والمسلم بها من جانب رجال التربية والاقتصاد على السواء ان الثروة البشرية بالنسبة لعملية الانتاج لا تقل اهمية عن رأس المال نفسه, فتقارير اليونسكو تشير الى ان تراكم رأس المال المادي يؤدي الى اقل من نصف الزيادة السنوية في الانتاج في الدول النامية, اما الباقي وهو ما يزيد على نصف الزيادة في الانتاج فيرجع الى زيادة الكفاءة والمهارة البشرية وتحسين وتنظيم الانتاج. ولقد اصبح نظام التعليم كله وعلى رأسه منظومة التعليم العالي في وضع نطالبه فيه بتمثيل ادوار فعالة في ميادين الانماء المتعددة فلابد لمؤسسات التعليم العالي ومراكز الابحاث الاخرى من ان تشارك مشاركة فعالة ودائمة في حل المشكلات القومية ومشكلات مختلف قطاعات المجتمع الصناعية والتجارية والزراعية والصحية والتعليمية. وبالتالي يقع على كاهل التعليم العالي مسئولية تقدم الامم والشعوب فقد اصبح التعليم في مقدمة انواع الاستثمار بل واهمها, واصبحت هناك حاجة ملحة لتنظيم التعليم والتجديد والابتكار التكنولوجي لانه لا سبيل امام المجتمعات العربية إلا ان تعيش عصر العلم والتغير السريع فهما سمة العصر. وكما اختلفت التوجهات نحو التنمية الاقتصادية فكذلك اختلفت الاتجاهات الفكرية حول مفهوم التنمية الاجتماعية فالبعض يرى ان هذا المفهوم مرادف للرعاية الاجتماعية كالصحة والاسكان والتعليم ولكن المفهوم الشائع استخدامه في الوقت الحالي ان التنمية الاجتماعية عبارة عن عمليات تغيير اجتماعي تتصل بالبناء الاجتماعي للمجتمع ووظائفه بغرض اشباع الحاجات الاجتماعية للافراد فهي ليست مجرد تقديم خدمات اجتماعية وانما تحتوي على بعدين اساسيين الاول تغيير الاوضاع الاجتماعية القديمة التي لم تعد تساير روح العصر والثاني هو اقامة بناء اجتماعي تنبثق منه علاقات جديدة وقيم مستحدثة بشكل يسمح للافراد بتحقيق اكبر قدر ممكن من اشباع الحاجات. والتنمية الاجتماعية تتطلب من التعليم ان يتفهم ان طلابه يعيشون في عالم سريع التغير في كافة الجوانب فيجب عليهم ان يتعلموا كيف يواجهون هذا التغير وكيف يقومونه بما يتلاءم مع مجتمعاتهم فالماضي يذهب سريعا عن حياة الافراد والحاضر في الطريق اليه والشيء الوحيد الذي نستطيع ان نتوقعه هو التغير في كافة الجوانب والاعوام المقبلة سوف تتسم بالتغيرات السريعة بحيث تكون الفرصة اللازمة لتقويم التغيرات الحادثة والحكم على ما هو ضار وما هو مفيد من هذه التغيرات فرصة ضئيلة. ولا يمكن لاحد ان يغفل الدور الذي يقوم به التعليم في التنمية الاجتماعية للافراد من حيث كونهم افرادا او في علاقة اجتماعية تفرضها عليهم ادوارهم المتعددة في المجتمع كالقيام بدور المواطنة الصالحة القادرة على تحمل المسئوليات وممارسة الحقوق والواجبات القومية والاجتماعية. ولتوظيف التعليم حتى يقوم بدوره الفعال تجاه التنمية الاجتماعية يجب ان يوضع في الاعتبار المتطلبات اللازمة لمواجهة التغير بصوره المختلفة واكساب التلاميذ القدرة على تقويمه وعلى مواجهة المتطلبات الاجتماعية ومراعاة الاسس اللازمة لاعداد المواطن الصالح, كما ينبغي مراعاة الاسس التي تساعد التلاميذ على اقامة حياة اسرية سعيدة واكساب التلاميذ معلومات مناسبة تساعدهم على حسن التكيف مع المجتمعات الجديدة واختيار السكن المناسب واكساب المعارف والمهارات والاتجاهات التي تساعد على بناء شخصية المواطن المستنير الذي ينمي ويطور من حياته وحياة مجتمعه. ويجب ان يكون التعليم غير منعزل عن البيئة المحلية التي يعيش بها, فاذا حدث ذلك فإنه سوف يكون تعليما واهيا ليست له جذور ثابتة فاذا جاءت ريح خفيفة اقتلعته من جذوره. نخلص من ذلك ان التعليم ليس نبتا شيطانيا ولكنه نتاج المجتمع الموجود به, فهناك علاقة تأثير وتأثر فكلاهما يؤثر في الآخر ولكن يجب ان يكون التعليم هو الذي يبدأ عملية التأثير في المجتمع, فلقد اعتبر قديما ان التعليم رفاهية اجتماعية ولكن الآن في كل دول العالم التعليم هو استثمار اقتصادي بكل المقاييس.. فيجب على مجتمعنا العربي ان يعتبر التعليم كذلك حتى نلحق بركب التقدم الذي سبقنا بأميال.. ان لم اقل ببلايين الاميال. واذا كان الامر كذلك فإن من الضروري ان تراجع المؤسسات الثقافية والتعليمية في مجتمعاتنا العربية مسئولياتها التاريخية من وقت لآخر بمعنى ان تبحث وتعيد البحث, في واقع التعليم العالي العربي هل ما يزال تعليما عاليا بمعنى الكلمة بمعنى انه يؤدي وظيفته الحقيقية في تربية وتخريج الكوادر اللازمة لعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية, ام انه اصبح نوعا من (الديكور) على مسرح الثقافة العربية المصابة حاليا بالترهل والاحباط وما يشبه الغيبوبة؟؟ بقلم : د. مصطفى رجب