يعتبر (التوحد) , من الاعاقات الصعبة التي تعرف عالميا بأنها خلل وظيفي في المخ لم يصل العلم لتحديد اسبابه بعد, ويظهر هذا المرض خلال السنوات الاولى من عمر الطفل ويتميز بقصور وتأخر في النمو الاجتماعي والادراكي وصعوبة التواصل مع الآخرين. وايمانا بأهمية احتضان هذه الفئة من الاطفال ورعايتهم وتأهيلهم اجتماعيا ونفسيا, فقد تقرر انشاء مركز خاص لمرضى التوحد برعاية الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم, وقد تم اختيار محمد امين العمادي منسقا عاما للمركز, وللتعرف على ابعاد فكرة انشاء المركز وأهمية انشائه, ومدى انتشار هذا المرض كان هذا التحقيق. وعن فكرة انشاء المركز اشار امين العمادي الى انه بعد مروره بهذه التجربة وما عاناه ابنه الثاني يقول: لقد لاحظت عليه وهو في السنة الثانية من عمره, انه يعيش في عزلة, ولديه تأخر في النطق, وقد ذهبت به الى الكثير من العيادات, ولكن للاسف كان التشخيص بعيدا جدا عن (التوحد) فاتجهت بعد ذلك للانترنت وعرفت هذا المرض, ودرست اعراضه وطبيعته, وقارنته بالاعراض الموجودة عند ابني فأيقنت انه (التوحد) , والطفل المصاب بالتوحد يكون طبيعيا عند الولادة وليس لديه أية اعاقة جسدية او خلقية, وتبدأ المشكلة بملاحظة الضعف في التواصل لدى الطفل ثم يتجدد لاحقا بعدم القدرة على تكوين العلاقات الاجتماعية وميله للعزلة مع ظهور مشاكل في اللغة ان وجدت ومحدودية في فهم الافكار ولكنه يختلف عن الاطفال المتخلفين عقليا, لان بعض المصابين تكون لديهم قدرات ومهارات فائقة قد تبرز في المسائل الرياضية او الرسم او الموسيقى والمهارات الدقيقة. اصابات محدودة واضاف محمد أمين: ان نسبة الاصابة عالميا هي 5 ـ 7 في كل 10 الاف مولود وقد تصل نسبة الاصابة بالتوحد مع التوسع في الصفات المصاحبة الى حالة توحد لكل 1000 مولود, ويصيب المرض الذكور اكثر من الاناث بنسبة 4:1 وهناك ثلاث صفات اساسية تظهر على المصاب بالتوحد وهي الضعف الواضح في التواصل والعلاقات الاجتماعية والنشاطات الترفيهية واللعب, بالاضافة الى صفات عرف بها الاطفال المصابين بالتوحد وقد توجد اكثر من صفة في الطفل وليس بالضرورة جميعها كأن يتصرف الطفل وكأنه لا يسمع, يردد الكلمات, يضحك ويصرخ بشكل غير مناسب, نوبات بكاء واكتئاب شديد لاسباب غير واضحة, يظهر احيانا وكأنه لا يخاف من الخطر, ولا ينظر في عيون الاخرين. واضاف ان الدراسات العلمية والتجارب أثبتت ان تطور الحالة وتحسنها يكون افضل بكثير اذا كان الطفل يخضع لبرنامج تعليمي منظم بدرجة عالية ومكثفة من سن سنتين الى ثلاث سنوات, مما يدع الفرصة أكبر لتطور ونمو المخ, واكتساب الخبرات والتفاعل مع الشخصيات التي حوله مما ينمي القدرة المعرفية والاجتماعية لديه, والمصابون بالتوحد والاضطراب (النمائي) الشامل يحتاجون الى ساعات عديدة من التعليم المنظم حتى يبقى الذهن مشغولا بالعالم المحيط ويحتاجون الى التفاعل بطريقة مجدية ومفيدة مع الكبار والصغار. وأسوأ شيء يمكن ان يحدث لطفل يعاني من التوحد في سن 2 ـ 5 سنوات هو ان يجلس بمفرده يشاهد التلفزيون او الفيديو طوال اليوم لأن ذلك يتيح المجال للطفل لان يندمج مع ما يراه ولا يهتم بالبيئة من حوله, واشهر الوسائل لعلاج (التوحد) هو العلاج التدريبي والتعليمي باستخدام وسائل تعديل السلوك والتعليم المنظم, وهذا يرجع الى الاسرة ومدى اهتمامها بتطوير سلوك طفلهم, ويضيف: وقد اخذت شخصيا ابني الى احد مراكز المعاقين, وفي الحقيقة فان هناك قفزة نوعية في تطوير سلوك ابني, ولكن لا يوجد متخصصين لمرضى التوحد في مراكز الدولة, ومن هنا يجب ان يكون هناك متخصصون يعرفون التعامل مع هذا النوع من المرضى الذين يحتاجون الى رعاية خاصة, ومن هنا جاءت فكرة انشاء المركز التي رحب بها سمو الشيخ محمد بن راشد والذي سيكون برعاية الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم. وقد وضعنا خطة مدروسة لانشاء المركز واقسامه, وقد ذهبت الى سنغافورة بعد ان عرفت بوجود مركز للتوحد لديهم, واتفقنا على تبادل الدراسات والخبرات, وسيستعين المركز بخبرات اخرى من بريطانيا واستراليا والولايات المتحدة ونتمنى كل التوفيق لهذا المركز, الذي سيتم افتتاحه ان شاء الله خلال هذا العام. خصائص طفل (التوحد) كما التقينا بالاخصائية النفسية فوزية حسين لنتعرف على المزيد عن هذا المرض واعراضه وامكانية الشفاء منه وكيفية التعامل معه فقالت: التوحد مرض مزمن يدوم مدى الحياة ومن ابرز اعراضه عدم قدرة المريض على اقامة علاقات طبيعية مع الآخرين حيث يتعامل معهم وكأنهم جماد او اشياء, وهناك اعراض رئيسية للمرض, فالمرض يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة, ولا تتكامل الصورة السريرية له قبل سن ثلاث سنوات واحيانا حتى سن دخول المدرسة ومن اهم اعراضه الانطواء والعزلة وضعف القدرة على اقامة علاقات مع الآخرين, وعدم امتلاك قدرة الطفل على التخاطب والحديث مع من حوله, كما يقوم الطفل المصاب بنشاطات وفعاليات بشكل منفرد, ولا يلعب او يمارس اي نشاط مع الاولاد الاخرين حتى لو كانوا حوله بل يتعامل معهم على انهم جماد, ويكون لدى الطفل المصاب الاهتمام البالغ بالاشياء المحيطة به والرغبة القوية في الحفاظ على محيطه كما هو دون ادنى تغيير فتبديل مكان قطعة اثاث في المنزل مثلا يثير لديه الغضب وعدم الارتياح, وتكون لدى طفل (التوحد) بعض القدرات الذكائية والمهارات في بعض الجوانب كالقدرات الفنية الموسيقية او الولع بالارقام وهذه المهارات هي التي تميز المصاب بهذا المرض عن الطفل المصاب بالتخلف العقلي. واضافت فوزية حسين: ومن مظاهر المرض التي قد توجد في بعض الحالات تجنب النظر مباشرة في اعين الاخرين وتكرار بعض الحركات العضلية كالتصفيق باليدين, وتكرار محاولات الاثارة الذاتية عن طريق ضرب الرأس بالحائط او ان يعض الطفل منطقة من جسده, ونصف المصابين يكون لديهم قدرة على الحديث والكلام, وغالبا ما تكون عبارة عن لغة بسيطة يكرر فيها الطفل اصواتا وعبارات معينة, وتكون لديهم ذاكرة جيدة, وفي الغالب يفهم الطفل الكلام لأنه احيانا قد يتلفظ الكلمات والعبارات بصوت منخفض, ومن الخصائص التي تميز هذا الاضطراب عن حالات التخلف العقلي, وجود اختلاف واسع في نتائج اختبارات الذكاء, وزيادة امكانية حدوث نوبات اختلاجية صرعية, او تأخر امتلاك القدرة اللغوية وزيادة احتمال ضعف القدرات المعرفية المتعلقة بنوع محدد من المعارف. نجهل أسباب المرض وعن انتشار المرض تقول هدى حسين: ينتشر هذا المرض في الذكور اكثر من الاناث وفي ثلثي الحالات هناك درجة من التخلف العقلي المرافقة لهذا المرض. ورغم الكثير من الابحاث والدراسات فاننا مازلنا نجهل وبشكل دقيق اسباب حدوث هذا المرض, والنتائج الحديثة لهذه الابحاث لا تشير الى وجود مشكلات نفسية معينة لدى الابوين يمكن ان تفسر حدوث هذا المرض. وهناك من يقترح اسبابا عصبية عضوية لهذا الخلل. وعن مدى امكانية الشفاء من هذا المرض تقول فوزية حسين: ان نصف المصابين من اصحاب الذكاء الطبيعي يبدون تحسنا بشكل ملحوظ وعلى نحو يمكنهم من التكيف الاجتماعي المناسب في الحفاظ على عمل او مهنة ومن العوامل المهمة التي قد تشير الى مستقبل افضل لنمو الطفل درجة نمو تطور اللغة والمهارات الاجتماعية عندما يصل الطفل لسن الخامسة او السادسة من عمره حيث تتحسن استعمالات المهارات اللغوية والاجتماعية مما يشكل دليلا قويا على التحسن والتقدم في سن المراهقة وما بعدها وعندما يصل مرحلة البلوغ تظهر بعض الاعراض مثل الخلل في طبيعة علاقتهم مع الاخرين او من خلال سلوكهم غير الطبيعي في جانب من الجوانب, وفي النهاية تنصح الاخصائية النفسية فوزية حسين, بأنه يجب على اهل الطفل المصاب بهذا المرض ان يقوموا باعداد برامج للعلاج السلوكي لدى الطفل لمنعه مثلا من الايذاء المتكرر لنفسه, كما يجب تأهيل وتدريب الوالدين خصوصا وبقية افراد العائلة للتكيف مع الحالة ومعرفة الاسلوب الامثل للتعامل معها, ويجب ان يلتحق المريض بمراكز تأهيلية متخصصة حيث ان مردود الالتحاق والتعلم في مثل هذه المراكز له فوائد كبيرة ومفيدة جدا, والعلاج الدوائي المساعد في بعض الحالات. وعن رأيها في اعداد مركز خاص باطفال (التوحد) قالت ان انشاء مركز خاص لمرضى التوحد, يعتبر خطوة ايجابية متحضرة, وستكون مفيدة اذا ما تم انشاء المركز على خطط مدروسة, واقترح الاستعانة بالخبرات الخارجية وبالدول التي سبقتنا في هذا الامر, ولكن يجب الاستفادة من الكوادر الوطنية وتدريبهم وتأهيلهم للتعامل مع مرضى (التوحد) . كما يجب ان يتوفر في المركز اخصائيون نفسيون, طبيب عام, اخصائيون اجتماعيون, اخصائيون مهنيون لكون بعض مرضى التوحد تكون لديهم هوايات موسيقية والرسم وغيرها, ونتمنى التوفيق لهذا المركز, وان يرى النور في اسرع وقت ممكن. تشخيص خاطئ وقد التقت (البيان) بأولياء امور بعض الاطفال المصابين بالتوحد حيث ذكر محمد الهاشمي ان ابنه مصاب بالتوحد وعمره الآن 6 سنوات ويقول: في البداية لاحظنا انه بلغ سن الثالثة ولم يتكلم بعد, كما لاحظنا انه كثير الحركة, واخذناه بالفعل الى الولايات المتحدة, وتم تشخيص حالته في البداية على انها تأخر في النطق فقط, بعدها بفترة اجرينا له بعض الفحوصات في احدى المستشفيات الخاصة بدبي, وعرضناه على بعض الاطباء النفسانيين وقرر الجميع انه مرض (التوحد) . وحاليا انضم لاحد مراكز المعاقين لتأهيلهم, وبالفعل بدأ تعلم النطق ببعض الكلمات والاستجابة لمن حوله والاتصال بهم, كما راعينا في البيت التعامل معه بشكل طبيعي وحرصنا ان يندمج مع اخوته ولو بشكل بسيط, وتكلمنا مع اخوته وتفهموا حالته وكيفية التعامل معه, فللاسرة دور كبير في تقدم حالة المريض, وارى ان دور الاسرة دور المجاهد في الحقيقة, فوضع طفل (التوحد) غير طبيعي فنحن نفكر به ليل نهار, وما ان نسمع بعلاج ما في اي مكان لا نتردد في أخذه او نبعث تقرير عن حالته والتعرف على احدث طرق العلاجات الممكنة. وطفل (التوحد) حساس جدا, واتصاله ضعيف بالعالم من حوله كما انه يحتاج الى تعامل خاص ومدروس, وقد سمعنا انه سيتم انشاء مركز للتوحد في دبي, وهذا سيساعد على ـ اولا ـ فصل مرضى التوحد عن الاطفال المعاقين في المراكز, كذلك يجب ان يدمجوا مع الاطفال العاديين, كما نتمنى ان يكون المركز خطوة لتحسين حالة اطفالنا, ويجب جلب خبرات خارجية في البداية على الاقل للاستفادة منهم. كما التقينا بالام مريم السيد الهاشمي لتحدثنا عن حالة ابنها فقالت: في البداية لاحظت على ابني عدم احتكاكه بأحد, وعزلته نوعا ما وقد اجرينا له الكثير من الاشعة والتحاليل ولم تكن هناك اسباب عضوية لهذا المرض فالمرض غير معروف الاسباب حتى الآن وبعد ان ايقنا ان ابننا مصاب بالتوحد اصطحبناه الى اخصائية نطق, واخصائي نفسي, وكانت الاجابة ان الحل الامثل هو احتكاكه مع الاولاد, والاندماج بمن حوله, كما ان علاج حالات التوحد يعتمد على الاهل بشكل كبير, لذلك التحقت بدورات عن التوحد, وحاولت الاتصال بأهالي المرضى لمقارنتها بحالة ابني, كما اننا على اتصال دائم بالاطباء في كل انحاء العالم, وفي البيت وضعنا له جدولا انا ووالده واخوته لشغل وقت فراغه والاهتمام به وتنمية هواياته, ومن خلال تجربتي انصح اهل مريض (التوحد) , عدم تضييع وقتهم باللف وراء الاطباء, والجلوس مع الولد والاهتمام به, كما يجب ان يكون اتصال الطفل مع جميع الاهل حتى يندمج بمن حوله, فالتآزر الاسري يجعل حالة الطفل تتقدم بشكل ايجابي. وجوب التعليم بالعربية ولدي ملاحظة مهمة هو ان المدرسين في مراكز المعاقين يتحدثون باللغة الانجليزية, وطفل التوحد بيئته عربية, وهذا يسبب له ارتباك, فحتى لو تحدثت معه الام في البيت بالانجليزية فلن يكون له اتصال مع البيئة, فاللغة مهمة لمرضى التوحد والتي يجب ان تكون لغة بيتهم وبيئتهم وأهله, فعلاج طفل (التوحد) يبدأ من الاسرة, وبما ان الاسرة بحاجة لرعاية طفلها, يجب توفير المراكز المتخصصة التي تساعد على تقدم حالته, وانا حاليا متطوعة في احد المراكز, وقد سمعت عن انشاء مركز خاص بالتوحد في دبي, وهذا كان بالنسبة لي حلم اتمنى ان يتحقق في اسرع وقت ممكن, فكم تمنيت ان يكون لدينا مركز خاص بالتوحد يهتم بأمورهم, وانا شخصيا مستعدة ان اتطوع للعمل في هذا المركز, ومن الضروري تدريب الاهالي من خلال هذا المركز على كيفية التعامل مع طفل التوحد, وذلك بتنظيم دورات لتدريب الاهالي, ثانيا نطالب بدمج هذه الحالات في المدارس العادية حتى يتعلموا النطق والتواصل مع الاطفال العاديين, كذلك فان للاعلام دور مهم في ذلك فالتوعية مطلوبة بالنسبة للمجتمع, ويجب توفير حياة اكاديمية طبيعية لمرضى التوحد, والعون الاجتماعي ضروري جدا لدعم المريض وأهل المريض. لذلك اقترح ان يكون هناك اتصال بين مركز التوحد والدوائر الحكومية التي يمكن ان يكون لها دور كوزارة العمل والاوقاف وغيرها, وان يكون هناك مركز رئيسي لمرضى التوحد تكون له فروع في الامارات الاخرى, وله اتصال كذلك بالمراكز في الدول التي سبقتنا في هذا المجال وذلك لتبادل الخبرات والدراسات. كما التقينا هدى حسين ام لطفل مصاب بالتوحد: ابني يبلغ من العمر 4 سنوات, وفي الحقيقة لم تكن لدي ادنى فكرة عن هذا المرض, وقد لاحظت عليه عندما بلغ الثانية والنصف من عمره انه لا يستجيب ولا يتفاعل مع أحد, وبدأ يحفظ بعض الكلمات تدريجيا بشكل بسيط جدا بالنسبة لمن في مثل سنه, وقد عرضته في البداية على اخصائي للاذن وقرر ان سمعه طبيعي ولكنه لا يتكلم, فوضعته في الحضانة حتى يتمكن من الاندماج مع الاطفال والاتصال بمن حوله, بعدها عرضته على مركز التدخل المبكر وتم تشخيص حالته على انها توحد بشكل بسيط, وانه على درجة كبيرة من الذكاء, وهذا الذكاء ساعدني كثيرا في تعليمه بشكل سريع في ان يعتمد على نفسه في الاكل والشرب واللبس, وحاليا يتعامل معي ومع والده واخوته بشكل جيد, ولكن اللغة تسبب له ارباك ففي المركز يتحدثون بالانجليزية وفي البيت والعائلة نتحدث معه بالعربية, لذلك عندما سمعت بانشاء مركز خاص بالتوحد فرحت كثيرا, واتمنى ان يقوم هذا المركز بمساعدة اطفال التوحد وأهلهم, واتمنى ان يرى النور في اسرع وقت ممكن. تحقيق ـ عبير الشارد