الجهود الساعية الى اعادة توطيد الصلة وتحقيق التواصل بين التربية والتعليم كنظام فرعي وبين اصول التربية الاسلامية والنظام الاقتصادي والاجتماعي الشامل يتردد صداها في اجوائنا, وتأخذ مواقعها على خريطة واقعنا التربوي, وتعكس فلسفتها المشتقة من اهداف التربية الاسلامية ومنهجها, والمؤسسة التربوية الاسلامية في دبي, والتي يرأس مجلس ادارتها ويرعاها الحاج سعيد بن أحمد آل لوتاه, الذي كان لنا معه هذا الحوار. مسئولية مجتمع * انت رجل اقتصاد, وتحمل لقب رجل الاقتصاد الاسلامي الاول, وهذا يؤكد انشغالكم بنشاطاته فهل لديكم الوقت الذي يتيح لكم الاهتمام والانشغال بقضايا التربية والتعليم؟ ـ من قال ان النشاطات الاقتصادية تنفصل عن التربوية؟ انا اعتقد ان النشاطات الاقتصادية وبالتالي مجمل عملية التنمية الاقتصادية لا يستقيم امرها, ولا تحقق مراميها مالم تصحبها تنمية الموارد البشرية, التي تتولى مهمتها عملية التربية والتعليم, وهذه لا يمكن النظر اليها على انها خدمة استهلاكية بقدر ما هي عملية توظيف واستثمار مثمر لرؤوس الاموال تحقق للمجتمع عائدا يفوق اضعافا مضاعفة حجم الانفاق عليها, وانا اعتبر نفسي مطالبا بالمساهمة في عملية تنمية رأس مالنا البشري, وهذه مسئولية تمليها علي عقيدتي وانتمائي للامة الاسلامية ولهذا الوطن الغالي. * هل يعني هذا ان وزارة التربية والتعليم والشباب التي تتولى مؤسساتها مهمة تربية وتعليم الابناء لا تستطيع القيام بهذه المهمة لوحدها؟ ـ عملية تربية الاجيال لا تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وحدها لأنها ببساطة لا تستطيع ان تحل محل المجتمع, فالاسرة, والجماعة, ومؤسسات المجتمع وعالم العمل شركاء أساسيون في اداء مهمة التربية والتعليم, عليهم جميعا التعاون وتنسيق جهودهم في اتجاه اعداد الناشئة لمختلف الوظائف والاعمال والادوار التي تتطلبها عملية التنمية بجوانبها وابعادها المختلفة, ولا يصح ان يلقى العبء كله على كاهل وزارة التربية والتعليم وحدها. بون شاسع * ما دمت ترى ضرورة تلازم الصلة بين الخطة التربوية والاقتصادية, فكيف تتصور واقع الصلة القائمة بينهما الآن, وعلى ارض الواقع؟ ـ الحقيقة ان هذه الصلة تكاد تكون مفقودة, نظرا لضعف خيوط النسيج التي تصل بين حاجات التربية وحاجات التنمية الاقتصادية, وكذلك تصل بينها وبين عملية التنمية الشاملة, نعم, هناك بون شاسع بين التربية القائمة وبين التربية التي تؤدي الى التنمية البشرية والاقتصادية, وهي بمواصفاتها الحالية عاجزة عن ربط المدرسة بعالم العمل, حتى مدارس التعليم الفني القائمة لم تستطع تلبية احتياجات سوق العمل لا لشيء الا لضعف المستوى العملي لخريجيها, باختصار استطيع القول بأن المدرسة بواقعها الحالي عاجزة عن اعداد الناشئة اعدادا جيدا او حتى مقبولا لعالم العمل. * يبدو انه لدى الحاج سعيد تصور لمواصفات التربية التي يمكن اعتبارها اداة ناجعة من ادوات التقدم الشامل والتنمية, فهل لكم ان تستعرضوا لنا وللقراء بعضا من هذه المواصفات؟ ـ اظن ان وراء هذا السؤال تكمن حقيقة لابد من ايضاحها مسبقا وهي, ان التربية القادرة على تحقيق التنمية هي تلك التي نضع في كل جوانبها وابعادها من بنية ومحتوى ووسائل ما يجعلها قادرة على اداء الدور المطلوب منها فكم من تربية تغدو عبئا على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك عندما تشكل لنفسها دربا يسير عكس اهدافها؟ وكم من نظام تربوي لا يخرج عن دائرة رفع البطالة الجاهلة الى بطالة مثقفة غريبة عن عالم العمل! ولو كانت التربية القائمة تقود الى التنمية الحقة, فلماذا نجدها مقصرة, لا بل عاجزة عن تحقيق التقدم العلمي مع ان اعداد المترددين على المدارس والجامعات كثيرة جدا وحجم الانفاق عليها هائل وضخم. مواصفات التربية * اذن ما هي مواصفات التربية, وماذا علينا ان نضع فيها مسبقا حتى تحقق لنا دورها كما نريده منها؟ ـ ارى انه من الضروري بمكان ربط التربية بالعمل, على ان يصحب هذا جهد متواصل في اتجاه تطوير التربية تطويرا كيفيا ونوعيا, على ان يكون محتوى التربية في بؤرة الاهتمام والعناية, الا تلاحظون ان سوق العمل لا يمتص خريجي المدارس الصناعية والفنية على الرغم من قلة عددهم؟ ولا يعود عدم امتصاصهم الى عدم نمو سوق العمل بقدر ما يعود الى عدم امتلاك هؤلاء الخريجين الخبرة اللازمة للعمل. ولا يفوتني هنا ان اشير الى ان تطوير محتوى التربية لا يعني مجرد العناية بذلك المحتوى في المدارس الفنية والصناعية وفي كليات التقنية والعلمية والعملية بقدر ما يعنى فوق هذه العناية برقي سائر انواع التعليم وفي مختلف مراحله الابتدائية والاعدادية والثانوية, ذلك لأن الاتجاهات السليمة الايجابية نحو العمل والانتاج امور تتكون جميعها منذ الصغر, وهي تزداد رسوخا او ضمورا في مراحل التعليم التالية, فالتعود على العمل والفة حياة العمل المنتج, هذه كلها يجب ان تنبت على ارضية التربية في مختلف مراحلها وانواعها. واقصد من هذا كله, الا يكون محتوى التربية طاردا لقيم العمل والانتاج فنظام التعليم شبكة واسعة من النشاطات التربوية التي تستغرق مراحل العمر جميعها وتتم في مواقع شتى يكون فيها الانسان متعلما ومعلما في آن واحد. واقع الميدان * هل لديكم ما تقولونه ايضا عن واقع التربية القائمة في مجتمعنا؟ ـ هناك الكثير مما يمكن قوله ولا اظن ان المساحة المتاحة لنا على صفحاتكم تسمح باستعراضه كاملا لكنني اود الاشارة الى ان التربية بحد ذاتها بمثابة انعكاس لواضعي النظام التربوي وعقيدتهم وغايتهم من العلم ودراسة الكون ونظرتهم للحياة وهي بالتالي مظهر لاحلامهم, ولذلك فانا اقول بأن للتربية والتعليم شخصية مستقلة يشكلها المجتمع من خلال عقيدته الدينية وعاداته وتقاليده ومجمل عناصر تراثه. فاذا طبق اي مجتمع نظام تعليم غريب عنه ولم ينبثق عن امكانياته وعقيدته وتطلعاته فانه لا يفيد, بل يضر بالمجتمع, التربية يجب ان يتم تصميمها لمجتمعها ذلك اذا اردنا لها ان تحقق اكبر قدر من الفائدة, ولا يمكن او لا يصح التعامل معها كبضاعة للتسويق يمكن تصديرها الى اي مكان او استيرادها من اي مجتمع اخر, فما يعتبر تربية جيدة لمجتمع معين, برهنت التجربة العلمية والعملية على فاعليتها بالنسبة له, لا تكون بالضرورة جيدة وفاعلة ومناسبة لمجتمع اخر. واذا كان البعض يرى ان التربية الاوروبية او الامريكية او اليابانية.. الخ قد حققت الكثير لبلدانها, وكان هذا الرأي صحيحا, فان هذا لا يعني ابدا انها ستحقق النتائج نفسها لدى الدول التي تستوردها وتنفذها. انا اعتقد ان التربية لا يمكن ان تنفصل عن مجتمعها, وان التربية المستوردة والمجلوبة تهمل اهداف الامة وتراثها ومقوماتها. اعداد الانسان * بعد هذا, هل استطيع القول بأن رؤيتكم التربوية هي التي قادتكم الى تأسيس المؤسسة الاسلامية للتربية والتعليم وانشاء المؤسسات التعليمية الملحقة بها كمدرسة التربية الاسلامية للبنين والبنات؟ ـ نعم, هذا صحيح. * ترى ما هي المواصفات التي تتطلعون الى تحقيقها في خريج مدرسة التربية الاسلامية؟ ـ تعمل مدرستنا على اعداد الانسان المؤمن بالله ورسله وبأمته المتميزة عن غيرها من الامم, ومن ثم تزويده بالمعيار الذي يمكنه من تحديد اهدافه واختيار منطلقاته للعمل, وهذا المعيار عبارة عن منظومة من القيم الدينية والاجتماعية التي تحتوي سلوك الانسان وتوجه خياراته في جميع مجالات حياته, بما ينسجم وهذا المعيار الاخلاق الذي يتحرك الفرد في حدوده. مثلما تسعى مدرستنا على اعداد الانسان الباحث عن العلم والتعليم الساعي الى العمل والانتاج وتحقيق الاتقان والابداع بعيدا عن التقليد والاتباع وفي سن مبكرة بعد اعداده اعدادا تعليميا وعمليا بأحدث الاساليب وارقى المستويات ليشارك بالتالي في بناء حضارة تحمل بصمة امته. * هناك اتجاه تربوي حديث ينادي باللجوء الى تعليم مكثف يقصر أمده, ولكنه يصيب هدفه مباشرة فهل يمكن الاخذ بهذا الاتجاه؟ ـ هذا الاتجاه ليس حديثا, وتتضح لنا صحة ذلك لو عدنا الى عقيدتنا الاسلامية ومنهجها التربوي وافكار التربويين المسلمين التي اتيحت فيها المبادئ والاتجاهات التربوية. ونحن في المدرسة الاسلامية للتربية والتعيلم قد استوحينا مدة الدراسة من بداية المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حيث تبدأ الدراسة من سن السادسة وتنتهي عند سن الخامسة عشرة, وهي سن التكليف طبقا للشريعة الاسلامية حيث يكون عند هذه السن معدا اعدادا جيدا للعمل والانتاج والمساهمة في النشاط الاقتصادي للمجتمع مبكرا, وهذا اتجاه طبيعي في منهج التربية الاسلامية, نابع من تقدير الشريعة الاسلامية للوقت وأهميته القصوى, لذلك فان مدرستنا تعتمد نظام اليوم الدراسي الكامل, والاجازات فيها مقننة وفقا لمتطلبات واحتياجات العملية التربوية التعليمية الامر الذي يقلل من نسبة الفاقد التعليمي الى حده الادنى والطبيعي, وتتجنب خطتنا ومناهجنا الدراسية ظاهرة الحشو والتكرار حتى لا يكون هناك اهدار في الوقت والجهد. تلازم العلاقة * تحدثتم في البداية عن ضرورة ربط المدرسة بعالم العمل وعن تلازم العلاقة بينهما, فكيف تحققون ذلك في المدرسة الاسلامية للتربية والتعليم؟ ـ نحن في المدرسة نرفع شعار (تعلم لتعمل واعمل لتعلم) ا لفائدة او الجدوى من التعلم تتحقق عندما يستطيع المتعلم ان يترجم ما اكتسبه من علم ومعرفة الى عمل, وان يستفيد مما تعلمه في تحسين ادائه العملي, وبالمقابل فان الانسان يستفيد خلال عمله من خبرات الاخرين فتتلاقح الخبرات وتتكاثر وهكذا يتعلم العامل من خلال عمله ويضيف الى رصيده معلومات وخبرات جديدة. وتحقيقا لتفعيل عملية ربط المدرسة بالعمل قمنا بانشاء المعهد التقني ليمارس طلابنا فيه مختلف الانشطة العملية وفق خطة منهجية مدروسة وهادفة. * اشرتم الى ان هناك معهدا ثقافيا ملحقا بالمدرسة تتحقق من خلاله عمليه ربط العلم بالعمل فما هي المجالات المتوفرة في هذا المعهد؟ ـ المعهد يضم مجالات كثيرة اذكر منها: الكمبيوتر والكهرباء والالكترونيات والطباعة وتجليد الكتب, والالة الكاتبة وصياغة الذهب والحلي وطلي المعادن والخراطة ولحام الكهرباء والاكسجين بالاضافة الى ميكانيكا السيارات والنجارة والفيبر جلاس والعلوم البحرية والاشغال النسائية والخياطة وغيرها. خطة * عرفت من خلال حديثكم السابق ان الخطة للمدرسة الاسلامية للتربية والتعليم تبدأ مع المتعلم من سن السادسة وتنتهي عند سن التكليف (الخامسة عشرة) فهل لديكم تقسيم خاص للمراحل الدراسية؟ ـ نعم, لدينا تقسيم خاص يختلف عن النظام المعمول به في المدارس الحكومية وغيرها من المدارس الخاصة, فنحن نتميز عن غيرنا من حيث ان الطالب ينتهي من دراسة الثانوية عند سن الخامسة عشرة حيث يوفر ثلاث سنوات وهذا من شأنه ان يقلل من حجم النفقات على التعليم ويرفد المجتمع وقطاعاته بعناصر عاملة ومنتجة في عمر مبكر وبذلك يصبح العائد من هذه العملية مضاعفا. مدة الدراسة في المدرسة تسع سنوات مقسمة على النحو التالي أولا: الحلقة التأسيسية ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات, هي عبارة عن اثني عشر فصلا دراسيا يتعلم خلالها التلميذ المهارات الاساسية للتعلم من قراءة وكتابة وتخاطب وحساب بالاضافة الى تزويده بالاساسيات من المعارف الاسلامية والمهارات المتعلقة بها. ثانيا: الحلقة التوجيهية ومدتها ثلاث سنوات (اثنا عشر فصلا دراسيا) وتعتبر امتدادا للحلقة التأسيسية ويتم خلالها اضافة الى تزويد المتعلم بالمهارات التعليمية, اكتشاف قدراته واستعداداته العلمية والعملية تمهيدا لالحاقه في شعبة التخصص المناسبة له, وتنقسم الحلقة التوجيهية الى: * شعبة دراسات الدعوة الاسلامية. * شعبة الدراسات اللغوية والانسانية. * شعبة الدراسات الطبيعية والرياضيات. * شعبة الدراسات الحيوية. * شعبة الدراسات المنزلية. هذا وتعتبر دراسة اللغة الاجنبية عملية مشتركة في كل الشعب ويدرس الطالب في كل شعبة مقررات دراسية متعمقة في الاساس العلمي لنوع الشعبة حتى يصل الى الحد الادنى مما يؤهله لمتابعة الدراسة التخصصية. ثالثا: الحلقة التخصصية ومدة الدراسة فيها كالمراحل السابقة وكذلك عدد فصولها الدراسية وتنقسم هذه الحلقة الى تخصصات على مستوى عال في مجالات مختلفة وفقا لاحتياجات المجتمع المحلي مثل: * العلوم الدينية والدعوة. * الملفات والترجمة. * الاقتصاد والبنوك الاسلامية. * التجارة. * ادارة الاعمال. * الكمبيوتر. الهندسة: مدنية, معمارية, كهربائية, الكترونية, اتصالات, ميكانيكية, زراعية وغيرها. * المجالات الصناعية المختلفة مثل: البترول والبلاستيك, تكنولوجيا الطاقة الشمسية, الصناعات الغذائية. هذا بالاضافة الى المجالات الاخرى كالعلوم المنزلية وتربية وتكنولوجيا التعليم والتمريض والعلاج الطبي) . ومما هو جدير بالذكر انه يمكن للتخصصات القريبة من العلوم الحيوية استكمال مقررات خاصة لدراسة الطب. هكذا يتم اعداد طالب المدرسة لمواجهة الحياة العملية او مواصلة التعمق في الدراسة والبحث للوصول الى اعلى المستويات العلمية مع الاهتمام بالناحية التطبيقية. * هل فرص الالتحاق بالجامعات واستكمال الدراسة الجامعية متاحة امام خريجي المدرسة الاسلامية للتربية والتعليم؟ ـ نعم, فرص متابعة الدراسة الجامعية متاحة امام خريجي المدرسة, وهناك من يستكمل دراسته الجامعية لنيل درجة الماجستير في الهندسة. * وماذا عن فرص العمل المتاحة امام طلبة المدرسة؟ ـ تم تخريج طلاب تخصصوا في الهندسة المدنية وهم يمارسون عملهم لدى اكبر شركات المقاولات العاملة في الدولة وقد اثبتوا جدارة وتفوقا في العمل. وهناك من خريجي المدرسة قسم الاقتصاد والبنوك الاسلامية وقسم المحاسبة والادارة يعملون الآن في البنوك وفي الشركات الخاصة وبعض الدوائر الحكومية, هذا وقد تم تخريج دفعة من مدرسة البنات تخصص التربية وتكنولوجيا التعليم, ويعملن الآن مدرسات في المدرسة الاسلامية للتربية والتعليم. * ختاما هل يحق لطلاب المدرسة الاسلامية للتربية والتعليم التقدم لامتحانات الثانوية العامة؟ ـ التنسيق مع وزارة التربية والتعليم والشباب جار في هذا الاتجاه وستكون فرصة التقدم لامتحانات الثانوية العامة التي يقصدها الوزارة متاحة ـ باذن الله ـ امام طلابنا مع بداية العام الدراسي المقبل 200/2001 يبقى ان نقول ان الحديث مع الحاج سعيد بن احمد آل لوتاه, رئيس مجلس ادارة المؤسسة الاسلامية للتربية والتعليم شيق وممتع, فهو ينبع من رؤية تمتد جذورها الى اعماق تراثنا وحضارتنا الاسلامية, وتتشعب في مختلف مناحي الحياة ومجالاتها العلمية والعملية, رؤية مشبعة بالخبرة الخصبة والعمل المتواصل الامر الذي يجعل لحديثه نكهة خاصة ومذاقا متميزا يظل يشدنا لمعاودة الحديث معه كلما كان ذلك ممكنا. حوار.. عبدالقادر جاد الله