لو توقفنا عند محتوى الفلسفة التربوية في وطننا العربي, وانتهجنا المنهج التحليلي للوقوف على محتواها, لوجدنا ساحتها مزدحمة بأهداف تمت صياغتها بعبارات طنانة ترسم مواصفات مخرجاتها, التي لو وضعناها على محكات مسارات الحياة, وقدرة الفرد على التكيف مع متطلباتها, لأدركنا بكل يسر وسهولة واقع غربة هذه المخرجات عن معظم عناصر منظومة احتياجات المجتمع, بالاضافة الى عدم قدرتها على الاستجابة لها حتى غدت وكأنها عبئا يضاف الى عبء, وبطالة تضاف الى تراكمات البطالة. والسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هنا, هو ما طبيعة اعدادنا لخريجي الثانوية العامة بعد (12 سنة) من الجلوس على مقاعد الدراسة هذا على اقل تقدير؟ وهل يسمح لهم هذا الاعداد لان يسلكوا في مسالك الحياة المتاحة لهم؟ نحن نعلم ان قسما منهم سيتجه الى الجامعات وكليات التقنية والمعاهد العليا لمواصلة دراسته التي تستغرق ما بين 4 ـ 7 سنوات اما القسم الاخر سيتوجه الى سوق العمل. هذا يعني ان الواحد من افراد القسم الاول سيظل يتعامل مع علمه بعيدا عن العمل حتى يصل عمره الى ما بين 23 ـ 25 سنة ذلك في احسن الحالات, وسيكون بعدها اي بعد تخرجه مطالبا بالتدريب في ميدان العمل. اما افراد القسم الاخر فسيتوجهون الى سوق العمل الذي سيكون من الصعب عليهم التفاعل مع مجالاته وفرصه وهم يفتقرون حتى الى الحد الادنى من المهارات التي تتيح لهم فرص هذا التفاعل, وسيظلون في احسن الحالات يقبعون على هامش الحياة العملية المنتجة. ومما لا شك فيه ان هجرة العمل وعدم الاتصال به حتى هذه المرحلة العمرية المتأخرة, كفيل لان يشكل لدى الواحد حواجز نفسية واتجاهات سلبية نحو العمل تجعله يحجم عنه, وهو الامر الذي شكل لدى الغالبية العظمى من افراد مجتمعنا سيكولوجية ازدراء العمل اليدوي واحتقار المهنة, والنظر اليهما على انهما بمثابة الامتهان حتى اصبح هذا الاتجاه ارثا متوازنا. واغلب الظن ان التغلب على هذا الارث الذي كانت الحضارة الاسلامية قد انكرته فجرها, وتكوين الاتجاهات اللازمة لبناء حضارة تحترم العمل اليدوي المهني والفني هي في الواقع امور لا يمكن لها ان تتم عفو الخاطر, انها تحتاج الى جهود تربوية تأخذ طريقها الى الاطفال منذ نعومة اظافرهم, منذ المرحلة الابتدائية وتستمر معهم عبر مراحل التعليم اللاحقة. لا اقصد بهذه الخاطرة مجرد الوعظ, بقدر ما اتطلع الى اتاحة الفرص امام الطفل ليمارس جوانب من العمل اليدوي والنشاط المهني المتدرج حتى يعتاد ان يحيا حياة العمال وحياة المنتجين وحتى يعرف من خلال الممارسة والتدريب فضائل استخدام اليد وفضائل استخدام الاصابع الخمسة. ومما تجدر الاشارة اليه ان مثل هذه الجهود لا تقضي على بقايا الترفع عن العمل المنتج ورفضه, بل تخلق مواقف نفسية مواتية للعمل والانتاج وتتيح الفرص امام الاطفال ليتعرفوا على قابلياتهم الحقيقية الامر الذي ييسر عليهم عملية السير في اتجاهها, ومن ثم اختيار نوع الدراسة والمهنة الملائمة لكل منهم خاصة وان القابليات موزعة ـ بقدرة الخالق ـ توزيعا عادلا فيه توازن بين اصحاب القابليات المهنية الفنية العملية. وتتأكد صحة هذا التوجه على محك التربية, فالتربية الحقيقية هي تلك التي تعمل على بناء الانسان الباحث عن تحقيق الذات من خلال العمل والانتاج وبالتالي الاتقان الذي لا يمكن ان يتحقق الا باتاحة فرص تفاعل العلم مع العمل منذ مرحلة عمرية مبكرة محطتها الاولى في منظور التربية الاسلامية تتشكل عند سن الخامسة عشرة. ومن الجدير بالذكر ان التفاعل بين المعلم والعمل من شأنه ان يحقق الكفاءة والاتقان ومن شأنه ايضا ان يحقق للانسان السعادة بما يوفره من شعور بالانجاز وتحقيق الذات فلا طريق الى السعادة إلا بالعلم والعمل, كيف لا والحياة بحد ذاتها تقوم على تفاعل دائم ومتواصل بين الفكر والعمل فالواحد منهما يبعث الآخر ويشده ويقويه, فكلما كان الفكر نيرا والثقافة غنية وخصبة كان العمل اكثر اتقانا وأوفر عائدا, كما ان العمل المحكم المنتج يساعد على اختيار الفكر ونقده وضبطه, فاذا صفا الفكر, وضبط العمل ارتقى كل منهما بفعل الآخر ومن ثم ارتقت الشخصية الانسانية الفردية والاجتماعية. الكفاءة في العمل اذن لا يمكن لها ان تحصل إلا حينما يتم ممارسة الحرفة ممارسة جيدة مستترة الى جانب نظري رصين, بمعنى انه لابد من ان تتوفر للممارسة المعرفة والمهارة اللتان يتطلبهما العمل, فالكفاءة في احداهما دون الآخرى لا تكفي ليكون العمل متقنا, والعمل المتقن هو الذي يحقق ذات الانسان وسعادته ويقود المجتمع بالتالي الى التقدم والرقي والاستقرار. فهل سنعيد للعمل قيمته وموقعه اللائق في برامج مؤسساتنا التربوية التعليمية؟ وهل سنرى على ارض ميداننا التربوي مدارس يلتقي فيها العلم مع العمل؟ ان بوادر هذا الامل تلوح في الافق لا بل اخذت تثبت اقدامها على ارضية حقلنا التربوي وتواجه بثبات واقتدار تلك الثقافة التربوية التي مازالت لا تعطي للعمل قيمته على خريطة برامجنا التربوية والتعليمية.