نظمت كلية الهندسة المعمارية بجامعة الامارات بالعين ندوة علمية متخصصة تحت عنوان (العمارة والهوية) بحضور العديد من الاساتذة والمهندسين وطلبة الكلية. واكد الدكتور ياسر منصور رئيس قسم الهندسة المعمارية في الكلية ان هذه الندوة تهدف الى اثراء معلومات الطلبة ، واطلاعهم على الكثير من القضايا التي تهم قطاع العمارة نظرا لما يجسده من هوية ثقافية للامم اضافة الى كونه احد المحركات الاساسية للاقتصاد الوطني. واستطافت الندوة الدكتور المهندس محمد نبيل شناف مدير تحرير مجلة (آركا الدولية) التي تصدر باللغتين العربية والانجليزية ـ حيث القى في محاضرته تحت عنوان (العمارة والهوية) الضوء على اهمية هاتين القضيتين وضرورة الالمام بحيثياتهما من كل طالب هندسة يسعى نحو التميز. وقال الدكتور منصور الذي رحب في بداية كلمته بالمحاضر الضيف: يقينا ان العلم والمعرفة شيئان متلازمان يكملان بعضهما بعضا, وان كنا ننجرف احيانا في فراغيات العلم المجردة, فتطلعنا دائما الى إمكانيات المعرفة الواقعية والمشتقة من حياتنا اليومية, مشيرا الى ان محاضرة الدكتور نبيل شناف هي مزيج من هاتين الدعامتين لالقائها الضوء على مفاهيم العمارة والعمران في العالم الآن والتطرق الى الكثير من الافكار والمعاني الممزوجة بالصور والرسومات المعمارية لمشروعات ومباني من مختلف انحاء العالم لم تستحق التحليل والتفكير. وعلق رئيس قسم الهندسة المعمارية في الكلية على محاضرة الدكتور شناف قائلا (هل هناك لغة للعمران؟ سؤال طرحه المحاضر كما يطرحه الكثيرون من المفكرين في هذا المجال, بالطبع المحاضر قد يقول البعض: الا نستطيع قراءة المفاهيم التصميمية للاعمال المعمارية الجادة؟ ألا تعكس البنية العمرانية حضارة وثقافة الشعوب كما يعكس المنزل هوية وشخصية الانسان بينما يقول البعض الآخر ان المبنى يشيد ويصمم من اجل اداء الوظيفة المطلوبة منه وان نجاح المهندس المعماري الحقيقي في توفير عمران يؤدي الغرض منه او كما وضح لنا لوكوربوازييه ان المنزل عبارة عن ماكينة للسكنى. وفي هذا الجدل بين الوظيفة والجماليات تأتي محاضرة الدكتور شناف بمزيج متوازن ليؤكد على ان البناء من اجل تحقيق الوظيفة فقط مثل الملبس من اجل التكسية والحماية فقط, واذا كان هذا هو الحال فلاصبح جميع البشر في البلد الواحد يرتدون نفس اللباس, وعلى نفس المنوال اذا كان البناء من اجل الجماليات فقط لاصبح لدينا بنية عمرانية جميلة لاتصلح للاستخدام, وفي الحال ينمو الى افكارنا اسئلة كثيرة؟ ألا نستطيع ان نفهم تراثنا من عمراننا؟ ألا تسكن بنيتنا العمرانية بيئتنا الحياتية؟ واذا كانت الاجابة بنعم, فيقينا ان هناك لغة عمرانية تسمح بالتواصل بين البشر, وبين الاجيال على فترات زمنية متفاوته. ومن جانبه قال المحاضر الدكتور المهندس نبيل شناف مدير تحرير مجلة (آركا الدولية) ان العمارة كانت دوما رافدا وشاهدا على الحضارات ولعل هذا يظهر جليا بالنسبة للحضارات القديمة اذ ان بعض المباني كانت تحظى بعناية خاصة فتأخذ طابعا تذكاريا كأهرامات مصر والمكسيك وبرج ايفل وملوية سمراء واكربول اثينا وكثير من المعابد في كافة الديانات والعقائد. واضاف المهندس شناف في محاضرته تحت عنوان (العمارة والهوية) ان العمارة ظلت حتى القرن العشرين تولي اهمية خاصة لبعض المباني دون غيرها اذ ان المساكن مثلا لم تحظ بالاهتمام الكافي رغم انها تمثل اغلبية البنايات في المدينة الا نادرا كما هو الحال في بعض المدن اليمنية كصنعاء حيث شملت الزخارف والتفاصيل الفنية المساكن وسائر المباني الاخرى بتفاوت خفيف لكن بغض النظر عن هذا كله ظلت العمارة تعبر عن هوية المكان والانسان كما هو شأن العادات والتقاليد والاعراف والالبسة والفنون كالموسيقى والآداب والرسم والنحت وغيرهما. واوضح انه في بداية القرن العشرين ادى الفكر الاوروبي الى ظهور مفهوم العالمية الذي تم اقراره في مؤتمر أثينا سنة 1933 على ظهر سفينة باتريس ما بين مرسيليا وأثينا حيث كان اهتمام منظمة السيام (CIAM) منصبا على الفعالية والعقلانية في تصميم المدن وتم بحث وتحليل تصاميم وخرائط ثلاثة وثلاثين مدينة كبيرة وانبثق عن ميثاق اثينا كتاب بنفس العنوان صدر في 1941 كي يكون بمثابة فكر جديد يحمل لواءه المعماري الشهير لوكربيزييه (شارلزايدوارد جانريه) المولود بسويسرا سنة 1886 والذي استغل هذا الاسم المستعار (لوكوربزييه) سنة 1920 كاتبا, وعام 1922 معماريا, و1928 رساما وكان يمثل الشخصية الأكثر اقترانا بمفهوم العمارة الحديثة ما بين 1920 ـ 1960. وأوضح الدكتور شناف في محاضرته الى ان لوكربزييه لم يتلق تعليما اكاديميا ولعل هذا ما ساعده على التحرر من مفاهيم العمارة الكلاسيكية والخروج عن مبادئها فكانت مبانيه في قطعية شبه تامة مع الماضي آنذاك. ولقد ركز على الاشكال الهندسية النقية ونبذ الزخارف والتفاصيل ونادى بالفعالية والعقلانية والوظيفية وذلك يعني التصميم وفق ما تتطلبه الوظيفة التي من أجلها وجد المبنى. كما غاص في تعميم المعايير والنسب ولعل أهم ما انتج في هذا الباب المقاييس التي اعتمدها هو واتباعه وهي ما يسمى بالموديلور وقال الدكتور شناف: قد يبدو هذا الامر هينا الا انه كان ذا أهمية بالغة في تاريخ العمارة في العالم اذ ان اهتمام الفكر الحديث بالمعايير والنسب والمقاييس فتح المجال للتصنيع في ميدان البناء كما غذت الصناعة او التكرار او النموذجية الفكر الحديث فظلا يدعمان الواحد الاخر حتى صار ينادي الرجل بالفرنسية آنذاك (TYPE) اي نموذج وبذلك يكون الانسان قد فقد وبصراحة صارخة حقه في التميز فبات رقما بريديا يسكن احدى العلب الملقاة هنا وهناك التي لا تكاد تميز من بعضها البعض الا بارقام وضعت على واجهاتها او اختلاف في ألوان دهانها. لقد جرد الفكر الحديث الانسان من خصوصيته باسم العالمية والفعالية اذ نجحت المكننة في حل مشكلة الكم وصارت المباني تنبت كالفطر لكن ليظل الانسان الذي صار يدعي (المستعمل) سجين قفص سموه (خلية) بينما كان يسكن بيتا وصار يقطن (نسيجا عمرانيا) بينما كان يعيش في مدينة. واضاف الدكتور شناف لعل أهم طرحه لكوربزييه كان مشروع المدينة المعاصرة التي تلتزم الى اقصى الحدود بمبادئ ميثاق أثينا الستة الاساسية التي ينص احدها على تنظيم المدينة وتقسيمها الى أربع مناطق تعتمد على الوظيفة: السكن, الشغل, الاستراحة او الوقت الحر والتنقل, ومن هنا ظهر وجال وصال منطق التمنطق في المدينة مجزئا اياها وكأنها ثكنة وفجأة غزت العالم المدن شطرنجية الطرقات (لتسهيل الحركة) وحينها لجأ (المستعمل) الى الارقام لتعريف الشوارع وضربت الهندسة الاقليدية اطنابها وصارت غاية بعدما كانت وسيلة فقط وفقدت الحروف مواضعها الطبيعية فانتقلت العمارة والعمران من عضوية الاشكال الى الاشكال الوضعية وتربعت الزاوية القائمة على عرش العمارة فتبع الاثاث وظل القالب سيد الموقف. وأوضح المحاضر انه في السبعينات استفاق الغرب لخطر العالمية وراح يبحث عن هويته وانتمائه في العمارة الكلاسيكية القديمة عساه يجمع شتاتا من الذاكرة الجماعية التي كلفته قرونا من الترسبات كالصفائح الجيولوجية الواحدة تلو الاخرى لكي تغطي معنى للمكان فيرتبط به الناس وينتمون اليه كما ينتمي اليهم. وعندها هللوا (للبوست مودرنيزم) (بعد الحديث) وفجروا كثيرا من المباني الحديثة (الفكر الحديث) تلك العلب المهينة للشخص والمهدمة لأسس الجوار والمدن الخالية من الروح التي ترتب نتيجتها ظهور احياء سكنية تحيا بالليل وتموت بالنهار ومناطق شغل تحيا بالنهار وتموت بالليل. وقال: الدكتور ا نه في خضم كل هذا ظلت الدول الاخرى, التي وصلها الفكر الحديث وخاصة الدول التي كانت تابعة لدول أوروبية ومنها العربية وهي والتي تهمنا في هذه المحاضرة, تقلد تقليدا أعمى ويا ليته كان بنفس الجودة, كيف يكون ذلك اذ شتان بين الاصل والنسخة وان كانت وفية. واختتم المحاضر محاضرته مؤكدا ان الناس انبهروا بالتكنولوجيا وبالعلب الزجاجية التي ضاعفت من قسوة الجو الحار في كثير من البلاد العربية ولجأ (المستعملون) الى التكييف باهظ التكاليف والتصقت المباني بعضها ببعض (كأن يشمت) الجار جاره اذا عطس ويحجب عنه الاضاءة وكأن هذه المنازل صممت لاناس آليين لا قيم لهم ولا مبادئ متجاوزة الكثير من ضوابط الجوار وتعاليم الاسلام في ذلك كله, وتأسيسا عليه فماذا تبقى من معاني المدينة عدا المعاناة وهل تبنى المدن لذلك او اننا صار لزاما علينا ان نقف وقفة جادة نبحث فيها عن قيمنا وننطلق منها كي نصمم عمارة ومدنا تحمل هويتنا فيجدها ابناؤنا جاهزة كعباءة جميلة يرتدونها فتليق بهم وتزيدهم رفعة وجمالا. ومن جانبه قال المهندس جمال بوساعة احد مدرسي كلية الهندسة بالجامعة ان تنظيم الندوة يأتي في اطار اثراء التعاون والتبادل بين قسم الهندسة المعمارية والهيئات والمؤسسات المهتمة بالمجال العمراني والمعماري على مستوى الدولة. واضاف انه على ضوء النجاح الكبير الذي حققته الندوة والقضايا التي عالجتها وتجاوب الطلبة معها تدرس الجامعة امكانية تنظيمها بشكل دوري الى جانب بحث امكانية نشر ابحاث التخرج لطلبة الكلية في المجلة كنوع من التشجيع لهم واطلاع كبار المهندسين الذين يقرأون مجلة (آركا) على ابحاثهم وتحفيزهم على بذل المزيد من العطاء والتميز.