تشهد مدينة دبي نهضة انشائية وعمرانية كبيرة مميزة وكنتيجة لهذه النهضة او الطفرة بدأت ظواهر جانبية سلبية في الاستفحال من اهمها مشكلة الازدياد الكبير في المخلفات الانشائية والذي بلغ معدلات مرتفعة جدا وهي تنتج عن عمليات البناء والهدم المختلفة وتتكون عادة من الكونكريت والطابوق والاسمنت ونسب مختلفة من الحديد والحصى والخشب والاسلاك والرمال بالاضافة الى الاسفلت . الاحصائيات تشير الى ان مدينة دبي انتجت مليونا وستمئة الف طن من المخلفات الانشائية عام 1993 وذلك بزيادة قدرها 44% عن عام ,1992 كما بلغت 2ر9 مليون طن سنة 1998ر حول هذا الموضوع التقت (البيان) بعدة جهات كبلدية دبي ومهندسين ومقاولين للتعرف على مقترحاتهم لمواجهة هذه الظواهر السلبية. يقول حسن مكي ـ رئيس قسم النفايات في بلدية دبي: ان المخلفات الانشائية مشكلة تواجه العديد من الدول وذلك بسبب طفرة البناء, حيث تقوم بعض الدول مثل اليابان والسويد باعادة تدوير هذه المخلفات بنسبة 80%, والعمل على الاستفادة منها بشكل كلي. واضاف ان سبب اهتمام هذه الدول بالاستفادة من مخلفات البناء افتقارها للاراضي الصحراوية الصالحة للدفن فمعظم اراضيها عبارة عن غابات تسعى للمحافظة عليها وعدم تخريبها, اما الامارات فلدينا مناطق صحراوية شاسعة يمكن الاستفادة منها, وعموما فان مشكلة مخلفات البناء تتفاقم, وقد وصلت المخلفات الانشائية السنوية الى ارقام كبيرة جدا حيث وصلت العام الماضي الى 3 ملايين طن بزيادة 2.9 مليون طن عن السنة التي قبلها وهذا بسبب الطفرة العمرانية التي تشهدها المدينة. وقال حسن مكي ان الشركات العاملة بمجال الانشاءات تقوم بنقل مخلفاتها الى موقع طريق العوير, ورمي مخلفاتها البنائية في مواقع سبق حفرها بواسطة شركات المقاولات وهرسها بواسطة بلدوزر ضخم, ومن ثم يتم رصفها وضغطها على شكل طبقة تقدر بـ 20 الى 25 متر ومن ثم يتم دفنها بالرمال. برنامج الهدف واضاف حسن مكي: وقد تم التركيز خلال السنوات السابقة على تحقيق ذلك من خلال (برنامج الهدف) ومن اهم اهدافه اعادة تدوير مخلفات البناء, ومن هذا المنطلق درسنا كل النواحي في مجال اعادة التدوير, ووصلنا الى نتيجة هامة تتمثل في العمل اولا على فرز هذه المواد وفصل الحديد وغيره من المواد القابلة للبيع, ثم اعادة ادخالها في الدورة البنائية بعد التأكد من سلامة هذه المواد وتحديد المواصفات اللازمة لامكانية الاستفادة من هذه المواد. يشار هنا الى ان للردم سلبيات عديدة منها ان كميات كبيرة من مواد البناء يتم اهدارها بالدفن رغم امكانية الاستفادة منها, فضلا عن سلبية استخدام مساحات كبيرة من الاراضي في عمليات الردم, بالاضافة للتأثير البيئي السلبي المحتمل وخصوصا على المياه الجوفية. واوضح حسن مكي ان نجاح عملية اعادة تدوير مخلفات البناء والاستفادة منها تحتاج لتعاون القطاع الانشائي من شركات انشاء وشركات المقاولات للاقبال على هذه المواد المعاد تدويرها, فنجاح هذه العملية يعتمد على مدى اقبال القطاع الانشائي على تسويق وشراء هذه المواد, والبلدية تشرف على هذا الجانب وتحاول خصخصة الموضوع للاستفادة من هذه المواد وادارة هذه العملية بشكل جيد, وستسعى لقطع خطوات كبيرة في هذا الشأن خلال العام الحالي, فمعظم المواد المنتجة من اعادة التدوير مثل الاسفلت المكسر والكونكريت المكسر والقطع الحديدية قابلة لاعادة الاستعمال, لذا يمكن الاستفادة منها في مشاريع البلدية ومواقع التجميع للاستعمال كعازل لتطبيق نقاط تفريغ النفايات, او لأعمال التغطية والردم او اعادة بيعها للقطاع الخاص. النجاح ليس سهلا وقال ان ذلك سوف يزيد من دخل البلدية لتغطية التكاليف, والمردود الايجابي من عملية اعادة مخلفات البناء المحافظة على البيئة وذلك بالتقليل من نسبة ردم المخلفات, والاستفادة القصوى من المواد الاولية للبناء القابلة للاستعمال مرة اخرى, وتقليل مساحة الاراضي المستخدمة للردم, بالاضافة الى العائد المدي, واشراك القطاع الخاص بشكل فعال في عملية العناية والمحافظة على البيئة. واضاف حسن مكي قائلا ان نجاح هذه العملية ليس بالشيء السهل ويحتاج الى حملة تسويقية ناجحة لزيادة نسبة الوعي التثقيفي لشراء هذه المواد المعاد تدويرها, واتخاذ سبل مختلفة لاقناع القطاع الانشائي للاقبال على شراء هذه المواد وذلك من خلال وسائل الاعلام المختلفة والاعتماد على اجهزة معينة في البلاد كما يمكن لجمعية المهندسين ان تلعب دورا مهما وايجابيا في تسهيل هذه المهمة لانها الجهة التي يمكن من خلالها مخاطبة شركات المقاولات. ومن وجهة نظري الخاصة ان الاقبال على شراء المواد المعاد تدويرها لا يحتاج الى فرض قوانين معينة, وانما القناعة الشخصية والرغبة في المحافظة على البيئة, واخيرا أرى ان نجاح هذه التجربة يعتمد على عدة عوامل هي ضبط المواد واعادة تدويرها وانتاج مواد ارخص من المواد الأولية, وتوعية المقاولين وفتح النقاش للتوصل لعوامل تساعد على نجاح هذه التجربة, ومحاولة مشاركة أكبر قطاع ممكن للاستفادة من هذه المخلفات. والجدير بالذكر ان المباني التي تم هدمها عام ,1998 عن طريق رخص هدم للقطاع الخاص 351 مبنى و134 مبنى بواسطة وحدة الهدم والسلام, وهدم 37 مبنى عن طريق المناقصات العامة. آراء المهندسين وللتعرف على آراء المهندسين حول هذا الموضوع التقينا بالمهندس احمد الرستماني رئيس جمعية المهندسين حيث ذكر أن مخلفات البناء عبارة عن الطابوق الذي يتكون من الرمل والاسمنت والزلط, بالاضافة الى مخلفات اخرى عبارة عن الاسمنت والرمل والدهان والخشب والحديد والسيراميك والبلاط والرخام, ومخلفات البناء المتعددة ولا يمكن فصلها بسهولة, ولا يمكن لكل المواد ان يعاد تصنيعها, ويقوم المقاولون حاليا بجمع الحديد لمصنع الحديد في دبي لاعادة تصنيعه لأنه من المواد التي يمكن الاستفادة منها مرة اخرى اما بالنسبة للخشب مثلا, فلا يمثل سوى نسبة قليلة بالنسبة لاجمالي نفايات البناء, ويكون على شكل قطع صغيرة ومتهالكة واعتقد أنه من الصعوبة اعادة تدويره مرة اخرى, لان جدواه قليلة وكمياته محدودة خاصة ان المباني لا تعتمد على الخشب في البناء, واذا امكن تدويره فجدواه الاقتصادية محدودة بالنسبة لمخلفات البناء الاخرى. اما بالنسبة للرمل مثلا فيعتبر مادة رخيصة ومتوفرة محليا ولا يمكن استخدامه مرة اخرى, والاسمنت المستخدم لا يمكن استخدامه من جديد بعد فترة لخاصية التماسك, وهناك مواد يمكن استخدامها مرة اخرى كالزجاج والالمنيوم ولكن الالمنيوم تكون كمياته عادة قليلة واضاف الرستماني من وجهة نظري ارى ان الامر غير مشجع لأن مواد البناء بشكل عام رخيصة الثمن, ومتعددة فهي تحتاج لجهد ومال لفصلها عن بعضها البعض, بالاضافة الى انها تكون ذات كميات قليلة, ولا نستطيع ان ننكر ان مخلفات البناء مسألة مزعجة وفي غاية التعقيد وهناك الكثير من الاراضي التي ردمت بواسطة مخلفات البناء, والدولة بدأت تعاني من هذه المشكلة, فعملية ردم هذه المخلفات يؤدي لهبوط الاراضي. وقال الرستماني ان هذه المواد غير متجانسة وبينها فراغات تؤثر مستقبلا على الارض, اما بالنسبة لمدى اقبال المقاولين على المواد المعاد تصنعيها فالمقاول يبحث عن الربح والأمر راجع له فاذا قامت البلدية بتجميع النفايات بالتعاون مع المقاولين وجمعية المهندسين بحيث تجمع مخلفات البناء في مكان معين, بعدها تقوم البلدية بفصل هذه المواد بعضها عن بعض حتى تتم الاستفادة منها بأسعار مخفضة مثلا, وبصورة جيدة فيمكن ان يكون هذا دافعا للمقاولين للاستفادة من هذه المواد, بعد اخذ رأي استشاري البناء, فبعد الدراسة يمكن ان يحدد امكانية شراءها من عدمه. وأوضح ان الدول الغربية تعمل على اعادة تدوير مواد البناء والاستفادة منها مرة اخرى وذلك بسبب اعتمادهم في البناء على كميات كبيرة من الحديد والخشب وهي مواد يمكن تدويرها واستخدامها مرة اخرى, فالمواد التي يستخدمونها تختلف جوهريا عن المواد التي نستخدمها نحن فأكثر المباني من الرمل والاسمنت والكونكريت وهي مواد تستهلك من أول مرة. واخيرا أرى انه اذا وصلنا الى قناعة تامة باستخدام المواد المعاد تدويرها, فيجب ان نخضعها لفحص دقيق اولا, فنحن لا نريد ان نستفيد من هذه المواد ونقع في اخطاء اخرى ولا شك انه مهما حاولنا الاستفادة من الاسمنت والحديد فان الجديد بالطبع سيكون مختلفا عن المستخدم بشكل عام. كما ارى ان معالجة نفايات البناء خطوة جيدة ولكن لا اتوقع ان تكون عملية اعادة تدوير مخلفات البناء مجدية اقتصاديا أو هندسيا الا اذا أثبتت التجارب والدراسات ذلك. المخلفات نوعان اما غياث فايز مهندس في احدى شركات المقاولات فيقول: عند الحديث عن مخلفات البناء يجب ان نتحدث عن نوعين من المخلفات اولهما الناتجة عن انقاض البناء وثانيهما المواد الفائضة عن المواقع كالحديد مثلا والذي يكون على شكل قصاصات ترمى مع المخلفات والتي يتم حاليا الاستفادة منها في معامل الصهر. فبالنسبة لمخلفات الانقاض الناشئة عن مواد الحفر فيمكن الاستفادة منها في عملية الردم والدفن, ويجب فرز المواد أولا وارى انه يجب على الجهات المسئولة فرض نوع من القوانين تحدد اماكن تخزين المواد الفائضة أو غير المفيدة مرة اخرى للانشاء مباشرة. كأن تجمع الرمال والاحجار منفصلة عن الاسمنت والأخشاب وهناك مواد متعددة يمكن اعادة تصنيعها والاستفادة منها كالحديد والطابوق وحتى الأسفلت الذي يمكن استئصاله وتسخينه وصهره فيعود كما كان, وهذه التجربة ناجحة بشكل عام في الدول الغربية منذ فترة طويلة, كما يمكن استخدام الأخشاب مرة أخرى بعد فرزها ومعالجتها بحيث تستخدم على شكل خشب مضغوط وحشوات. وأضاف المهندس غياث ان مخلفات الانشاء يمكن فرزها أولا إلى مجموعات متشابهة بدلا من رميها كأنقاض على سبيل المثال, عزل المخلفات المعدنية كحديد التسليح والأنابيب في مجموعة والأخشاب في مجموعة أخرى, وتجميع أنابيب البلاستيك والحاويات مثل الأصباغ في مجموعة منفصلة والتي يمكن اعادة تصنيعها والاستفادة منها مرة أخرى على ان يقوم بعملية الفرز المقاول نفسه كشرط مسبق كما يمكن فرز الرمل والأتربة عن بقية الخرسانة المكسرة. ولتحقيق ذلك يجب ان توضع خطة من قبل الدولة أو الجهات المسئولة فيها كالبلديات باصدار تشريع يتضمن شروطا معينة توضع للعقود, يشترط فرز مخلفات البناء وتهيئتها لاعادة التصنيع مرة أخرى, كما أرى ان الدولة يجب ان تخصص مؤسسات شبه رسمية لشراء هذه المواد وتقديمها للجهات المختصة لاعادة تدويرها وأرى ان هذه المواد المعاد تصنيعها إذا كانت ذات مواصفات عالمية سوف يقبل عليها المقاولون. والجدير بالذكر انه لا يوجد أماكن لاعادة تدوير البلاستيك إلا في بعض المصانع المحدودة وأخيرا أرى ان المحافظة على البيئة والاقتصاد أمر مهم, وتطبيق هذه التجربة فيه نوع من الصعوبة في البداية ولابد من التعاون بين جميع الجهات المختصة, لذلك يجب ايجاد تشريع يضمن تطبيق شروط نجاح عملية اعادة تدوير مخلفات البناء, بالاضافة إلى ضرورة تحديد جبهات معينة تهتم بهذه العملية وتعمل على متابعتها باستمرار, فنحن باعادة تصنيع مخلفات البناء يمكن ان نوفر 20% من الاقتصاد, بالاضافة إلى المحافظة على البيئة, وأرى ضرورة الاستعانة بالخبرات الخارجية المتخصصة في اعادة التدوير وذلك للاستفادة منها. منفعة اقتصادية ويقول المهندس محمد جميل الجنيدي مدير مكتب استشارات هندسية انه يمكن الاستفادة من مخلفات البناء وتحويلها من مواد مستهلكة إلى مفيدة بعد معالجتها واعادة تصنيعها كما تعود بالنفع الاقتصادي والبيئي, ومخلفات البناء التي يمكن اعادة تصنيعها والاستفادة منها مرة أخرى كثيرة وأهمها تسليح البناء والذي يعاد صهره من جديد وتنظيفه من الشوائب واستخدامه مرة أخرى , كما يمكن اعادة تصنيع أكياس الأسمنت الفارغة لاستخدامها مرة أخرى لتعبئة الأسمنت, كما يمكن الاستفادة من بقايا الأخشاب وتحويلها إلى ألواح خشبية بعد وتحويلها إلى نشارة ثم إلى ألواح خشبية مضغوطة, ويمكن الاستفادة من مخلفات البناء بردمها في أماكن منخفضة عن مستوى البحر. الجدير بالذكر ان المواد المعاد تدويرها بشكل عام لا توجد اي فروق بينها وبين المواد الجديدة, لأن عملية اعادة التصنيع تتم عبر مواصفات معينة عالية الجودة, وأرى ضرورة الاستفادة منها والاقبال عليها لما في ذلك من محافظة على الاقتصاد والبيئة, خاصة إذا كانت المواد المعاد تصنيعها على مستوى عال من الجودة. من يتكفل بالفرق؟ والتقينا بالمهندس راشد سلطان صاحب شركة مقاولات حيث قال انه بالنسبة للنظافة والوجه الحضاري للبلد, فالبلدية لديها قوانين للتخلص من مخلفات البناء, أما بالنسبة لهذه المخلفات من ناحية استغلالها باعادة تصنيعها والاستفادة منها مرة أخرى فأعتبرها فكرة جيدة, حيث يتم حاليا اعادة تصنيع الحديد بعد صهره, ولكن يجب الانتباه إلى ان بعض مخلفات البناء لا يمكن اعادة تصنيعها, فهناك مواد تتلف بمجرد استعمالها من أول مرة وعموما تعتبر عملية اعادة التصنيع مكلفة نوعا ما, وغالبا ما تكون المواد المعاد تصنيعها أعلى سعرا, والمشكلة من سيدفع فرق التكلفة, المقاول أم المالك؟ وقال انه من وجهة نظري الخاصة ان عملية اعادة التصنيع من الناحية الاقتصادية تقوم الجهات المسئولة بسن قوانين معينة بهذا الشأن كما يجب ان تكون المواد المعاد تصنيعها تتميز بمواصفات عالية الجودة, وعليه فإن الاستفادة من مخلفات البناء باعادة تصنيعها يجب ان تتم وفق خطوات أولا فصل هذه النفايات بعضها عن بعض كعزل الزجاج من مجموعة الخشب والحديد وهكذا, اذن المسألة تحتاج إلى توعية من قبل البلدية حتى تساعد على البدء في عملية استغلال مخلفات البناء, وذلك من خلال وسائل الاعلام المختلفة, وعقد الندوات والمؤتمرات, والتوعية الشاملة للمقاولين, كما يجب ان تكون هذه التوعية من خلال التعاون مع الجهات المهنية مثل جمعية المهندسين وجمعية المقاولين لايصال رسالة البلدية للجميع, وأتوقع نجاح هذه العملية, وأضاف المهندس راشد سلطان ان عملية اعادة تصنيع مخلفات البناء عملية لها فوائد بيئية كبيرة وفوائد اقتصادية وفي النهاية هي ثروة وطنية من الضروري ان نحافظ عليها, فنحن لدينا مخلفات بكميات كبيرة يجب الاستفادة منها فعليا, وكوني صاحب شركة مقاولات أرى ان هذه المخلفات المعاد تصنيعها يمكن ان أقبل على شرائها إذا كانت مطابقة للمواصفات وبأسعار مناسبة, فنحن المواطنون تهمنا مصلحة البلاد الاقتصادية والبيئة فيجب ان نسعى لذلك ولكن كما ذكرت سابقا التوعية أولا حتى تتم هذه العملية بنجاح ودون أي خسائر مادية. تحقيق ـ عبير الشارد: