كلما نويت الابتعاد قليلا عن هموم التربية والتعليم, أجد أخبارا متتالية تدفعني دفعا الى العودة اليها لأن فعلا لغة الهموم صارت أنسب اليها من لغة الطموح.أود بعد سنوات طويلة قضيتها في الميدان التربوي ان أسمع خبرا مفرحا وضاربا في نفس الوقت مثال: لائحة جديدة للمعلمين المواطنين التي تلوح بها الوزارة كلما تجددت المطالبات بتغيير أوضاع المواطنين المادية والمعنوية حتى يثبت الله قلوبهم ويقويها للبقاء الاضطراري في سلم التدريس المضني. ولا أريد أن اثقل كاهل التربية بالأمثلة التي هي أعلم بها من غيرها, ولكن مرور السنوات الطويلة جدا من عمر التربية في المجتمع لم يشفع للبت العملي في مثل تلك القرارات التي تقف الميزانيات حائلا دون الوصول الى أهدافها والتي منها التوفير المادي على المدى البعيد وبنسبة لا تقل اقتصاديا عن 30% وفق الابحاث العلمية الحديثة وهي ذات النسبة المقترحة في زيادة رواتب المعلمين والتي تسعى التربية الى تطبيقها ميدانيا من خلال بعض تفاصيل لائحة المعلمين الجديدة, حيث ان من المقترح ان يبدأ الراتب الاساسي للمعلم او المدرس بخمسة آلاف وخمسمئة درهم ويصل عند التقاعد براتب الفئة أولى أولى, اي بعد ربع قرن من الخدمة على اقل تقدير. وبما ان هذه البشرات سوف يطول زمن انتظارها وهي اذا ما قسنا عليها المعجزات والكرامات, فالتربية محقة في هذا الشأن لأن هذه الخوارق الكونية تحتاج فعلا الى وقت كاف حتى تظهر وتثبت الحق للعيان. فالموضوع مازال في حيز الاقتراح ولابد ان يمر بقنوات رسمية معروفة اخرى ابتداء من مجلس الوزراء وانتهاء بالمالية التي عليها التنفيذ ووضعها ضمن الميزانية العامة للدولة ومن ثم الميزانية الخاصة بالتربية والتعليم ونرجو ان يكون المشروع الجديد هذا مدرجا في هدايا الالفية الثالثة لقطاع المعلمين المواطنين. وهذا التأخير في البشارات لم يك من نصيب القضايا الاخرى التي تستحدث يوميا في ميدان التربية والتعليم وأخيرا طبعاً وليس آخرا ما قرأناه من توجه التربية لفرض رسوم على الراغبين في اعادة امتحان الثانوية العامة, وقبل هذا بمدة يسيرة صدر تعميم من المنطقة التعليمية برأس الخيمة في مبادرة تربوية مالية تطلب من خلاله من المدارس ان تبادر بسداد ألف درهم من اجل ان تنال شهادة في الافضلية لتلبية طلباتها من مخازن الوزارة والمنطقة ولا أعرف من أين للمنطقة هذا الاجتهاد المادي الذي يجب عرضه على مجلس الوزراء لاقراره قبل ان يكون شرطا للافضلية, وهذا ما ستفعله الوزارة بخصوص المذكرة الخاصة بتحصيل رسوم (ليست باهظة) لمن يرغب في اعادة امتحان الثانوية من اجل تحسين المجموع او الذين ابتعدوا عن الثانوية لأعوام طويلة. وبما أن القانون بالدولة يؤكد مجانية التعليم, فان التربية تريد ان تكسر هذا الحاجز المجاني وذلك للدخول الى مجال فرض رسوم اخرى خطوة خطوة الى ان تصل الى مرحلة الخصخصة والتي لم تتم مناقشتها, لأن القرارات هي الحاكمة عندما يحين الوقت التربوي لذلك. ولا أعتقد ان رسوما زهيدة سوف توفر على التربية الملايين من الدراهم حتى تغطي النقص الذي تراه في مواردها, ان سياسة فرض الرسوم سواء مباشرة أو غير مباشرة, ليست لصالح العملية التربوية برمتها لأنها تمثل نوعاً من الضغط المادي وان كان بسيطا لمن في قلبه همة مواصلة التعليم أو تحسينه. ولو صرفت التربية جهودها الى الارتقاء بدرجة المعلم الى فئة وكيل وزارة بعد 25 عاماً من العمل التربوي المتواصل في الراتب لكان افضل لها من تحصيل الرسوم المتوالية ولنا بمصر قدوة حسنة في سلم الترقيات.