اللغة العربية تغار من «الأفندية»

ت + ت - الحجم الطبيعي

سافر شقيق لي إلى ألمانيا، وبُعَيد وصوله بلحظات، عبثاً حاول أن يصل إلى الفندق الذي أراد النزول فيه، والسبب أنه سأل عن ضالّته باللغة الإنجليزية، والألمان لا يتحدثون في موطنهم إلا بلغتهم الأم، رغم إلمامهم باللغة الإنجليزية. بحثت في خصائص هذا الشعب الأوروبي، فاكتشفت أنهم يعتدّون بأنفسهم، ويتمسكون بشخصيتهم القومية بشدة، ويرون في لغتهم عنوان شخصيتهم وتاريخهم. أما عندنا، فاللغة العربية تتلقى سيلاً من اللطمات والإهانات صباح مساء، فأنا أكلم الهندي بلغة عربية "مكسورة العنق"، والأوروبي والأمريكي وغيرهم من "الأفنديين" بالإنجليزية، وفي المطعم أتناول الوجبات الأمريكية والمكسيكية والصينية والإيطالية، وعندما تريد طفلتي أن تذهب في نزهة تقول لي "باي"، وإذا لقيتها استقبلتني بـ"هاي"، وزميلي في العمل يظهر اهتمامه بي، قائلاً: "تيك كير"، وكل الناس توافقني بـ"أوكيه".

وفي الحياة أكابد لهاثي كي أضيف، كل يوم، مفردة إنجليزية جديدة، حتى أحسّن وضعي في سوق العمل، و"أشنق نفسي" كي أضع أولادي في مدارس تُعَلِّمُ بلغة "الأفنديين"، بحثاً عن مستقبل آمن، وهكذا تمضي أيامي: أزداد ولعاً بلغة "الأفنديين"، وبعداً عن اللغة العربية، التي بدأتُ، أخيراً، أسمع صدى صرخاتها في وجداني، وهي تردد بلسان شاعر النيل حافظ إبراهيم:

فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني

أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي

لا أرى في هذه الحبكة إلا انفصاماً تدريجياً، بيني وبين الثقافة التي أنتمي إليها، الثقافة العربية الإسلامية، التي تكفَّلتْ، وما تزال، اللغةُ العربية بحمايتها، رغم الموجات العاتية التي تتعرض لها. وكما يقول أهل الاختصاص: إن مفردات اللغة العربية لا تعيش منعزلة عن بعضها بعضاً، بل هي تتصل في ما بينها، كاتصال الجسد الواحد، وترتبط ببعضها ارتباطاً عضوياً وروحياً: صَلّى، يُصلّي، مُصَلٍّ، مُصَلّىً، صلاة.. هذا الاتصال الروحي، يمنح الناطقين بها تشابهاً في القيم، والمفاهيم، والطباع، والسمات الشخصية، ويورثهم انسجاماً عجيباً رغم الجغرافية الشاسعة التي ينتشر الإنسان العربي عليها. لكنني، وفي زحمة الإقبال النَّهِمِ على لغة "الأفنديين"، أجدني مغتاظاً، ونار الغيرة تلتهم من كبريائي، بينما أراقب عن كثب اضمحلال وعائي الثقافي، وانسيابَ اللغة، كما الماء، من بين يديّ، وأنا جالسٌ متفرج. هذه اللغة التي اختارها رب الكون كوعاء لخير رسالته، ولغةٍ لخير خلقه، النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووسيلةٍ لنشر أعظم الشرائع، تتداعى أمامي في البيت، والعمل، والمدرسة، والمطعم، والمطار، وفي كل ركن وزاوية من يومياتي، حتى أضحت كعملاق مستلقٍ، ننهش صباح مساء.

ما أصعب الغيرة والغيظ اللذين أكابدههما، وخاصة عندما تؤججه صرخاتها مدويةً في ضميري بلسان حافظ إبراهيم:

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغايةً

وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلةٍ

وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

"وشومُ" لغةِ "الأفنديين" تملأ جسد لغتي، وتشوِّه معالمَ الجمال فيه، ويكفي أن أزور أي شركة، أو مصنع، أو متجر، حتى أكتشف حجم "الفظاعات" التي تفتك بها، فالمفردات "الأفندية" تسيطر على لغة التواصل بين المتعاملين، بل إنها تفيض خارج مقارِّ أعمالهم، إلى تفاصيل حياتهم الخاصة. أمام هذه الحال، أقف على أطلال التاريخ، مخاطباً العلّامة المسلم ابن خلدون، قائلاً: هل كنت تقصد الأندلسيين، أم كنت تقصدني، حينما قلت: «تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم»؟!.

 

جهاد عدلة

طباعة Email