دعوة

الدانماركية رندة.. قصة إسلام مخضَّبة بالدموع

ت + ت - الحجم الطبيعي

قد لا تستطيع أن تحبس دموعك، أو أن تمسك برؤوس شعر جسمك عن الاستقامة، وأنت تقرأ قصة رندة نيقوسيان. تلك الفتاة التي عاشت صراعاً فكرياً وعقدياً عنيفاً، تنوء الجبال بحمله، ويضعف الجبابرة عن تحمله. صراع تراءى أمامها بين الحق والباطل، ولكنها لم تكن تملك الأدوات التي تمكنها من إدراك الحق، ونبذ الباطل. قصة رندة التي نشأت في مجتمع الدانمارك المنحلِّ، بين قلاع الخنا، وحصون الرذيلة. نشأت وحيدة باحثة عن ربها، تكفكف دموع الحُرقة إلى الله في الليل، وتلجم بصرها عن رؤية المكاره في النهار. لم يكن يجالسها، بعلمه ورحمته، أحدُ إلا الله، فقد كان معها في كل لحظة، يرقبها ويحرسها، حتى أذن لها بالدخول إلى ميدان الأمان.

رندة نيقوسيان فتاة دانماركية تتحدث عن نفسها ونشأتها، وكذلك عن مآلها، قصة تختلط فيها الحروف بدموع الخشوع، وقشعريرة الرحمة، ولذة الأنس بالله تبارك وتعالى، وقصة تخطف لُباب العقل، وتأسر الفؤاد، وتدفع بقارئها إلى التنقل متلذذاً بين رحمات الله تبارك وتعالى. وهاكم رندة تروي قصتها الخاشعة، فتقول:

أنا ابنة بيئة لا تقيم للدين وزناً، ولا للروح شأناً، عشت في الدانمارك، ولكنني كنت غريبة عن قريناتي من بنات جنسي، مدفوعة بقوة خفية نحو التدين الكاثوليكي في مجتمع جلُّه من الملاحدة أو البروتستانت. أنتسب لأم مسلمة وأب أرثوذكسي، وأمي كانت أقصى ما تعرفه من الإسلام: اسمه.

كان جوهر حياتي قائماً على الفكرة الدينية، ولكن من منطلق العقيدة الكاثوليكية، التي كنت أتحضر كي أكون مبشرة لها، ولأجل ذلك استغللت قدراتي في تعلم اللغات، فكنت أدرس العربية على رجل مسلم فاضل كان يعطيني من علوم العربية والقرآن ما يفتح آفاق الفضول عندي. وعلى الرغم من أن ذلك المعلم كان يعلم الحق، ويدرك الحقيقة، فإنه تحاشى أن يوجهني بشكل مباشر إلى اعتناق الإسلام، بل اتبع معي أسلوباً حكيماً تمثل بعبارته التي استقرت في وجداني وأعماقي بسبب الطريقة التي كان يرددها بين الفينة والأخرى على مسمعي: "تتحطم السفن عند الشطآن، ولا يشعر الربَّان بالأمان إلا عندما يبحر في عرض البحر، فأبحري هداك الله).

كانت كلماته تترك أثرها التراكمي في وجداني، ولا وعيي، ولكن عثرات معلم آخر، كانت تعرقل تحققها، فقد كان يدرسني قسيس كاثوليكي الفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع وبعض العلوم الأخرى، وكان هذا القسيس يدرسني بطريقة موجهة نحو البحث عن الشبهات والنقاط التي يمكن من خلالها إثارة الشكوك في الدين الإسلامي، وفي تلك الأثناء تأثرت بالديانة المورمونية التي تتشابه مع الإسلام في تحريم الخمور والاختلاط داخل الكنيسة بين الجنسين.

ولم أكن حينها أعلم أن حكمة الأقدار تدفعني في طريق سيكون مثابة ثورة حقيقية في حياتي، نهايته كلها خير وسعادة، فقد وقع بصري على كتاب: (الإسلام بين الشرق والغرب) للرئيس البوسني الراحل علي عزت بيكوفتش، وقد علق أحدٌ ما قرأه قبلي على حاشية الكتاب بآية: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ (آل عمران: 7). هذه الآية ارتعش لها قلبي، ورجفت منها أطرافي، فبحثت عن تأويلها في تفاسير القرآن الإنجليزية والفرنسية والدانماركية والبوسنية، فوجدت لها معنى واحداً.

عند تلك المرحلة الزمنية الفاصلة، بدأ صراعٌ مرير في أعماقي، تواصل شهوراً، ودفعني إلى الانكباب على الكتب الإسلامية والمسيحية، وحيدة، يرافقني الضياع، ويهاجمني التشتت، ويخيم علي القلق، فقررت أن أذهب بنفسي إلى الله كي أعرف منه الحقيقة: بالانتحار. قطعت شرايين يدي، ودخلت في غيبوبة كنت أسمع فيها شيئاً واحداً: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه" (آل عمران: 179).

وأكاد أفقد عقلي عندما أتخيل ذلك الموقف، فحين أفقت من الغيبوبة أول ما فعلته أنْ نطقت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكان يتحلق فوق رأسي المعلم المسلم، والقسيس الكاثوليكي وأبواي، فسقطوا جميعاً مغشياً عليهم في وقت واحد. تلك اللحظات كانت بداية إبحاري، وبداية شعور الربَّان بالأمان المفقود.

طباعة Email