حضارتنا

حرية الاعتقاد.. سَبْقٌ إسلامي في ميدان الحضارة

ت + ت - الحجم الطبيعي

الأصل في الإنسان أن يكون حراً. حراً في نفسه، وماله، وأقواله، وأفعاله، طالما أن تلك الحرية لم تلحق ضرراً بغيره من الناس، أو حتى من الحيوانات، لأن قاعدة شرعية كبرى تقول: "لا ضرر ولا ضِرار". وعلى هذا الأساس، فالإنسان في الدستور الإسلامي حر في اعتقاده، فله أن يدخل في الإسلام، وله الحرية في أن يبقى على دينه سواء كان نصرانياً أو يهودياً، وهو ما يسمى اليوم في حرية الاعتقاد.

حرية الاعتقاد في الإسلام تقوم على قاعدة مهمة منبثقة من قول الله تعالى: "لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة: 256). حتى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يجبر أحداً على الدخول في الإسلام لا قبل فتح مكة ولا بعده، و ذلك على الرغم من أنه دخل مكة فاتحاً ومتمكناً، وجاءت عبارته الشهيرة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، لتدل على سماحة الإسلام، وعدله، وعلى الحرية والأمان التي يكفلها لكل من يعيشون تحت كنفه. وهذه الحرية في الاعتقاد مردها إلى أن الدخول في الإسلام إذا لم يأت من وازع وقناعة ورغبة داخلية، فإنه لا يعول عليه يوم القيامة، ولا ينفع صاحبه بشيء.

ولا تقف الشواهد على إعطاء الإسلامِ الإنسانَ حرية الاعتقاد، عند آية أو حديث، بل إنها أكثر من أن تعد، فقد أرجع الإسلام مسألة مصيرية للغاية تتعلق بمصير الإنسان ومآله، أرجعها إلى حريته الشخصية، وإلى قراره الذاتي، فهو حر في أن يؤمن، أو أن يكفر، لكنه في نفس الوقت أوضح له عاقبة الكفر في الآخرة، والمصير الذي ينتظر كل من يعرض عن رسالة الله تبارك وتعالى، فقال سبحانه: "فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: 29). بل إنه حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك سلطة الفرض على أي إنسان، وكل ما عليه هو أن يبلغ رسالة ربه إلى الناس أجمعين، قائلاً له: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين" (يونس: 99).

وهذه الأدلة، وغيرها كثير تثبت بدلالة واضحة أن حرية الاعتقاد مضمونة ومكفولة في الإسلام، وبالتالي فإن انتشار الإسلام في العالم قاطبة جاء بالدعوة والإقناع، وبتفتح براعم القلوب أمام النداءات الربانية، وأمام سلوكيات المسلمين الأوائل.

وفي تاريخنا الإسلامي، بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، شواهد ناطقة بأبهى درجات التسامح والبر والقسط التي أظهرها المسلمون تجاه النصارى واليهود، ومن ذلك الأمان الذي أعطاه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لنصارى القدس، وقد شمل ذلك الأمان: "حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، لا يُضَارُّ أحدٌ منهم ولا يرغم بسبب دينه".

هذا المظهر الحضاري كان شيئاً فريداً ونادراً، بل كان شيئاً لم يُسبق إليه، وهو منجز إسلامي بامتياز توجه الدعوة إلى مخاطبة غير المسلمين ودعوتهم بأسلوب رقيق، ومحبب، ولطيف، يمكن أن يسمى اليوم "أسلوباً حضارياً"، وهو متمثل في الآية التالية: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125). ويعضُدُ هذا المعنى دعوة الله تبارك وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ورائه الأمة قاطبة في كل الأزمنة والعصور، إلى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران: 64).

هذا المنهج الإسلامي في التعامل مع الآخر، ومع المُختلفين معه، هو منجز حضاري بلغة اليوم، يؤصل لصيغة تعايش تقوم على قاعدة عدم إضرار كل طرف بالآخر، وعدم إضمار النية في أن يلحق أي طرف الأذى بالآخر.

طباعة Email