حضارتنا الجبر.. علمٌ إسلاميُّ المولد والنشأة

ت + ت - الحجم الطبيعي

 “algebra” و”Algebre” و”algorism / algorithme” أربعة مصطلحات إنجليزية وفرنسية، تشترك جميعها في أصل واحد تعود إليه وهو العالم الإسلامي الكبير الخوارزمي. وهي أسماء لعلم الجبر الذي يرجع الفضل في اختراعه أساساً إلى الخوارزمي، الذي تقول الروايات التاريخية إن حاجة توزيع المواريث بدقة متناهية كانت الأم التي حضنت هذا الاختراع في عقل وفكر الخوارزمي الذي توفي في القرن الثالث الهجري. والخوارزمي مكَّن، بعمله واختراعه لعلم الجبر، المسلمين من تفجير طاقاتهم ومواهبهم، واحتلالهم قصب السبق في هذا الميدان العلمي الرفيع.

حيث بنى حجر الأساس، وجاء بعده علماء أفذاذ أعطوا علم الجبر عراقة وتقاليد يشهد العالم على إسلاميتها حتى اليوم. وعلى الرغم من أن الغاية وراءه كانت فقهية لتحديد المقادير والكميات والأرقام التي سيحصل عليها الورثة، فإن الخوارزمي طور هذا العلم، واستقل به عن علم الرياضيات من خلال القواعد والأصول التي وضعها له. وكلمة الجبر التي يدرسها الطلبة العرب في مدارسهم كوصف لأحد العلوم صاغها الخوارزمي الذي يسمى بأبي الجبر، وهو الذي يقف وراء الأرقام العربية التي يعرفها الناس اليوم.

وهذا المُنْجَرُ الحضاري الإسلامي الكبير ظهر في أوج ازدهار الحضارة الإسلامية، وتحديداً في العصر العباسي في عهد الخليفة المأمون الذي طلب من الخوارزمي تأليف كتاب يتحدث عن العلم، ويبين فيه أصوله، فكان كتاب "الجبر والمقابلة" الذي لعب دوراً محورياً في التعامل مع المعادلات الجبرية وإيجاد الحلول لها.

وقد وجد الكتاب رواجاً كبيراً في المنتديات والجامعات العلمية في أوروبا تحديداً، وفي سائر أنحاء العالم على وجه العموم، وتحول إلى أحد أهم وأبرز مصادر الرياضيات في الجامعات الأوروبية قبل خمسة قرون، ومركز نور وإشعاع علمي. ولم تقف مسيرة علم الجبر عند الخوارزمي، بل استلم الراية من بعده علماء أفذاذ كأبو بكر الكرخي وعمر الخيام، وآخرين ممن نبغوا وأثرى العالم من اكتشافاتهم التي منها ابتكار الصفر الذي لعب دور حجر الرحى في تسهيل العمليات الحسابية، وتقدم العلوم الرياضية. ومن إنجازات المسلمين واختراعاتهم العظيمة: استعمال الكسر العشري على يد العالم النابغة غياث الدين جمشيد الكاشي، وكذلك حل المعادلات من الدرجة الثانية في علم الجبر التي مازالت الطريقة المستعملة إلى الآن في مراجع ومصادر الجبر الحالية.

وقدم المسلمون إلى العالم الرموز: ÷ و× و ، وفي القرن الخامس للهجرة ظهر العالم الكبير عمر الخيام بحلول ناجعة للمعادلات من الدرجة الثالثة، وقد تسنّى له ذلك من خلال القطوع المخروطية، وهي الحلول التي خدمت البشرية بطريقة مذهلة، ومهدت لاختراعات عملية في ما بعد أفاد منها بنو البشر في حيواتهم اليومية، ويرى خبراء وعلماء أن اللبنات الأولى للهندسة التحليلة كعلم قائم بذاته تعود إلى العالم المسلم عمر الخيام، وإن كان بعض الغربيين نسبَ ذلك العلم إلى رينيه ديكارت.

طباعة Email