أولى ثمار مشروع «المواطن المفتي»

طارق وفيصل يمضيان سريعاً في طريق العلم

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

المال يفنى، والبَدَن يبلى، وأما العِلْمُ فيبقى. وحامل العلم وريث صفوة البشر وأجلِّهم وهم الأنبياء صلوات الله وسلاماته عليهم، وفي العلم يقول العلّامة ابن القيم "العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء". لكن قيمة العلم الحقيقية تكمن في مقدار النفع الشخصي لحامله والمتعدي لغيره وللمجتمع عامة، وهو ما يوضحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله به طريقاً إلى الجنة".

على هذه القاعدة الشرعية بنى الشابّان المواطنان: طارق عبد القادر العمادي وفيصل إبراهيم البحري نهجهما في طلب العلم الشرعي، وهما، إلى جانب زميلهما الثالث الذي غيّبه عن الحوار التزامه الدراسي في الجامعة، أولى ثمار مشروع وطني طموح اصطُلح على تسميته "المواطن المفتي"، الذي تقف وراءه دائرة الشؤون الإٍسلامية والعمل الخيري في دبي، وتسعى من خلاله لإيجاد بيئة علمية شرعية محلية قادرة على التعامل مع مستجدات العصر، وطوارئ الحياة، من خلال تخريج الأحكام الشرعية من النصوص الإسلامية في كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والإفتاء بالأحكام الشرعية لقضايا الحياة المعاصرة من دون الإخلال بمقاصد الشرع الحنيف.

"البيان" سلطت الضوء على المشروع في حلقة سابقة مع الدكتور أحمد الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، والآن تواصل فتح الملف، من خلال اللقاء بالمتدربين المفتيين طارق وفيصل اللذين تحدثا عن مهمتها، وكان من أهم ما قالاه، أن دخول سلك الإفتاء مثل مفتاح خير كثير في حياتهما يتصل أوله بتوسيع مداركهما الذهنية، ونضوج فكرة العلم عندهما، ويتصل آخره بمراكمة رصيدهما العلمي في الجانبين النظري والتطبيقي. ولكن الأهم من قولهما تمثل في حالهما، فزائرهما يلحظ نشاطهما العلمي، وانكبابهما على الكتب الشرعية، ومحاولاتهما مراكمة محفوظاتهما العلمية، وهو ما يعكس رغبتهما وجدّهما في طرق أبواب النجاح، مشهدا ظهرا فيه كما لو أنهما يسابقان الزمن في طريق العلم.

وبعد ثلاث سنين من التدرب وتحصيل العلم والمعرفة الشرعية في رواق دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، يبدي طارق العمادي حماساً ورغبة متزايدة في متابعة طريقه لأن يكون مفتياً، كما لو أنه انضم إلى الدائرة بالأمس، وكذلك الأمر بالنسبة لزميله فيصل البحري، فعند دخولي إلى القسم الذي يعملان فيه، وجدتهما كما لو أنهما في حلقة علمية مغلقة، مُكبَّان على الكتب قراءةً ومطالعة وبحثاً، يمعنون النظر في صفحات الكتب، كمن يلاحق معلومة حبيسة الأسطر، في مشهد يعكس محاولاتهما الوقوف عند أدق المسائل.

وضوح الهدف

يقول طارق: أنا متخرج في كلية التقنية إدارة أعمال، ولم يكن هدفي من الدراسة واضحا بالنسبة لي، وكنت كثير الحضور للدروس والدورات الشرعية، وهذا ما ساعدني بعد التخرج على أن أتجه صوب الدراسات الشرعية، فقررت أن أعيد دراستي كليا، وانضممت إلى كلية الدراسات الإسلامية/ فقه وأصوله في جامعة الشارقة، وبدأت مسيرة التحول في حياتي، وخاصة عندما نجحت في امتحان مشروع "المواطن المفتي" من بين عشرات المتقدمين، وكان ذلك في السنة الثالثة من دراستي في كلية الفقه وأصوله.

أما فيصل البحري، فهو صاحب شهادة ماجستير في الفقه وأصوله ومتخرج في نفس الكلية من جامعة الشارقة، ويشدد على أن: دراستي، واتجاهي إلى الإفتاء تحت رعاية دائرة الشؤون الإسلامية والعمل خير، هو اختيار الله لي، ووجدت أن أبرز العوامل التي شجعتني على دخول مجال الإفتاء، وساعدتني على اتخاذ القرار: التسهيلات التي تقدمها الدولة في هذا الشأن، واستمراري في نفس مجالي العلمي، بالإضافة إلى الأجواء العلمية الجيدة في الدائرة، والاحتكاك اليومي بأهل العلم.

وإذا اجتمعت المتعة والفائدة في طريق واحد، فذلك هو الفوز الكبير، وهذا ما ناله طارق العمادي الذي أحب العلوم الشرعية، فاقتحم هذا المجال، ووجد فيه المتعة والفائدة مجتمعتين في صعيد واحد، وخاصة بعد دخوله مجال الإفتاء في الدائرة، فيقول حول ذلك: دراستي في الدائرة أكسبتني مهارات جديدة تتمثل في القدرة على التعامل مع القضايا والمسائل الشرعية، كما ساهمت بقسط وافر في إنضاج المفهوم الشرعي للعلوم التي أنالها، وفي توسيع مداركنا الذهنية، وتعاملنا مع النصوص.

وعلى الرغم من أنه لم ينس فضل الجامعة عليه، فإن العمادي تحدث عن فارق بيِّن بين طبيعة تلقيه في الجامعة، وبين تلك الطبيعة في الدائرة، قائلا: في الكلية كان التلقي مقتصراً على الناحية النظرية، متنقلين بين الكتب، والمناهج التعليمية التي يرسمها الأساتذة، بعكس ما هي الحال عليه في الدائرة، حيث المسائل العملية، والاطلاع الواسع على القضايا المعاصرة.

وقريباً من هذا الفارق وجده فيصل البحري الذي قال: هنا تعلمت فنَّ إذا صحّت التسمية - التعامل مع المستفتي، ومن ذلك أن بعض السائلين يناورون، أو يتحايلون، ومنهم من يخطئ في التعبير، ويوجد مستفتون يعرفون الإجابة مسبَّقاً، لكنهم يبحثون عن فتوى يريدونها، ويظهر لي ذلك من خلال أساليبهم في صياغة السؤال، وهذه الأصناف من السائلين أوجدت لدي تقنية التشعب والتفصيل في طرح الأسئلة، بهدف الوصول إلى حقيقة الموقف، وبالتالي تقديم الفتوى الشرعية الصحيحة. لكن ذلك لا ينفي أن كثيراً من السائلين يبحثون عن الحق لذاته، ويرجون رضى الله تعالى في أسئلتهم.

آداب المفتي

التعامل مع الناس وأسئلتهم، من حيث تنوعُ صنوف الناس، وتنوع طبيعة أسئلتهم، أمر صعب، وبعض الأحيان يرقى إلى درجة "بالغ الصعوبة"، هذا ما يراه طارق العمادي الذي يتابع: ولكن للمفتي آداب إسلامية ينبغي أن يتمتع بها مثل الحلم، والصبر، والأناة، والتلطف بالعبارة والمعاملة، وهذا كله مجموع في حسن الخلق التي ينبغي أن يكون عليها عموم المسلمين وبالأخص طلبة العلم، ومن ذلك أننا نجد في بعض السائلين أنهم بحاجة إلى موعظة وإرشاد ونصح أكثر منهم إلى فتوى وتبيان حكم شرعي من حلال أو حرام.

أما فيصل البحري فيرى أن الفتوى، في طبيعتها، تتعدى جانب تبيان الحكم الشرعي، إلى النصح والتوجيه، وأنها تمثل سدّاً لثلمة في الدين، فيقول: كما قلت لك سابقاً، هناك أشخاص يبحثون عن مخرج شرعي لقضية يتحكم فيها هواهم، لا سعيهم لتحقيق حكم شرعي، وهؤلاء يدخلون في المثل التشبيهي الذي ضربه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابي عدي بن حاتم، في معرض تعليقه على تعجب عدي من آية: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" (التوبة: 31)، وقوله إننا لم نكن نعبدهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوَليسوا يحلّون الحرام فتحلّونه، ويحرمون الحلال فتحرمونه؟ قال: نعم، قال: تلك هي العبادة.

وختم فيصل حديثه بما يمكن أن يكون "لبَّ الكلام"، عندما قال: العالِمُ يرى الفتنة وهي مقبلة فيتنبه لها ويتجنبها، ويجد الحلول لمواجهتها، بينما العامي لا يعرفها إلا بعد أن تحيط به في الغالب.

خير جليس

 

القراءة لطلبة العلم والعلماء كالوقود للمركبة، فإذا ما أراد المفتي مواصلة العطاء، ومواكبة حركة الناس، ومستجدات حياتهم في كافة شؤونهم، فعليه بخير جلسائه: الكتاب، وهذا ما يسعى إلى تحقيقه بصورة مثالية مفتيا المستقبل طارق العمادي وفيصل البحري، حيث يقول فيصل: أقرأ لما يقل عن ثلاث ساعات في اليوم، باحثاً عن تجديد علمي، وتمحيص المسائل الشرعية، أما طارق فيرتفع الرقم عنده ما بين العمل والمنزل إلى ما بين ست وسبع ساعات، معلِّلاً ذلك بأن طالب العلم الشرعي يضم في صدره كثيراً من المتون العلمية التي يحتاج، من أجل الاحتفاظ بها، إلى القراءة الدائمة. ويشترك مفتيا المستقبل المواطنان في تحصيل العلم من خلال الغوص في المجامع الفقهية ورسائل الدكتوراه والماجستير في الجامعات، إضافة إلى الفتاوى الرسمية. وكشفا أن لدى الدائرة خطة لابتعاثهما في زيارات ميدانية لبعض المجامع الفقهية في الدول العربية والإسلامية.

85 % طلاق

 

ربما لم يكن فيصل البحري، وطارق العمادي، وهما الشابان اليافعان، يعرفان ما ينغص حياة الأسرة المسلمة، وأبرز ما تعانيه من مشاكل، بحكم أنهما كانا على مقاعد الدراسة الجامعية، لكن الصورة باتت واضحة وجلية لهما عندما بدأ عملها على سماعة الهاتف للإجابة على المستفتين، فقد عرفا أن الطلاق شبح أسود يقض مضجع الكثير من الأسر، ولذلك قال فيصل أثناء الحوار، دون أن يخالفه طارق، أن أكثر القضايا التي يستفتى فيها هي الطلاق، بل إن تمثل نسبة لا تقل عن 85 % من مجل الفتاوى التي يتلقاها، ولذلك، يوضح فيصل، يرى نفسه متورعاً ومتريثاً قبل إعطاء أي حكم عندما يكون السؤال حول هذا الموضوع الشائك.

طباعة Email