عبرة

حكمة أمٍّ بين بناتها الثلاث

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما تجلس الأمُّ إلى بناتها، وتحادثهنَّ، فتلك فضيلة، وعندما تختبرهنَّ فتلك فضيلة فوق فضيلة، أما عندما تحدد لبناتها المسار الأخلاقي الذي ينبغي أن يسِرْن فيه، فتلك حكمة، وبعد نظر، وحسٌّ تربوي عالٍ. تلك الصفات من الحكمة والفضيلة وبعد النظر اجتمعت كلها في امرأة عجوز من نساء العرب، جلست إلى بناتها الثلاث، واطلعت على ما في صدورهنَّ، بعد محاورة قصيرة، كشفت فيها عن خُلقِ بناتها، فوجدت ما هو جميل ومحبب ومطلوب وسكتت عنه موافقة وإقراراً به، ورأت ما هو قبيح مستنكر فجرهت برفضه، وعنفت صاحبه، وكان من حظِّ البنت الصغرى أنها فشلت في اختبار الأم، فأبانت عن قصر نظرها. وهاكم القصة كما جاءت في كتاب الأمالي لأبي علي القالي، والذي يعد من أمهات كتب الأدب العربي الأربعة، وهي إلى جانب الأمالي: الكامل لابن المبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، وأدب الكاتب لابن قتيبة:

قالت عجوز من العرب لثلاث بنات لها: صفن ما تحببنَ من الأزواج؛ فقالت الكبرى: أريدُ أروع بسَّاماً، أحَذَّ مِجْذاماً؛ سيدَ ناديه، وثِمالَ عافِيه، ومُحسِبَ راجيه؛ فناؤه رحْب، وقياده صعب. وقالت الوسطى: أريده عاليَ السِّناء، مُصَمِّم المضاء؛ عظيم نار، مُتَمِّم أيْسار؛ يُفيد ويُبيد، يبدئ ويعيد؛ هو الأهل صبيّ، وفي الجيش كميّ، تستعبده الحليلة؛ وتُسَوِّدُه الفصيلة. وقالت الصغرى: أريده بازلَ عام، كالمهند الصِّمام؛ قِرانه حُبُور، ولقاؤه سرور؛ إن ضمَّ قَضْقَض، وإن دَسَرَ أغمض، وإن أخلَّ أحمض. قالت أمها: فُضَّ فوك، لقد فرَرْت لي عن شِرَّةِ الشباب جَذَعَة.

وهكذا فإن الأولى اختارت الكريم الخفيف السريع الذي يجذم الأمر، أي يقطعه ويحسمه، وسيد المجلس الذي يكون فيه، ثمال قومه أي مغيثهم وخادمهم. أما الوسطى فقد كان لها مذهب آخر في اختيار الزوج، إذ أرادته: عالي الشرف، ماضي العزيمة لا يثنيه عن أمره شيء، شجاعاً في الحرب، يؤَمِّره قومه وجماعته. وكان هوى البنت الثالثة في البازل العام أي كامل الشباب والفتوة، يضرب خصومه ويحطم عظامهم، وهو ما لم يعجب الأم التي عنّفت ابنتها على كمون الشر في اختيارها، ووضوح العدوان في هواها، فطالبت بشرِّ الرجال، وهذا يدلُّ على حكمة الأم، وكمال عقلها، وسديد رأيها، فوافقت ما هو صحيح وجميل في أذواق بنتيها الأوليين، وخالفت وانتقدت ما سقيم وقبيح في اختيار بنتها الصغرى التي بحثت عن القوة في الرجل، دون الالتفات إلى رجاحة العقل، ورفعة العلم، وغيرها من الصفات المحمودة في الرجال.

طباعة Email