حضارتنا

دولة المرابطين 100سنة ناصعة في المغرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

دولة المرابطين إحدى المعالم البارزة في التاريخ الإسلامي في أفريقيا والمغرب العربي، ظهرت في خضم السقوط المتتالي لبعض حواضر المسلمين في الأندلس. وتأسست على يد يحيى ابن إبراهيم والفقيه المالكي عبد الله بن ياسين وهما من قبيلة صنهاجة التي كانت تستوطن جنوب موريتانيا، وكانت البداية الحقيقية لدولة المرابطين عام 440 هجري واستمرت لما يناهز المائة عام، شهدت انتصارات عسكرية، وتكونت خلالها دولة قوية حملت معالمها الحضارية ملامحَ أندلسية من ناحية طرق معايشها وأشكالها العمرانية.

وكانت عاصمتهم مراكش إحدى حواضر عالم ذاك الزمان ومراكز القوة فيه، ومثلت وجهاً إسلامياً ناصعاً في بلاد المغرب العربي. أما أبرز شخصيات وقادة دولة المرابطين فتتمثل في يوسف بن تاشفين الذي لعب دوراً بالغ الأهمية في صنع انتصاراتها، وبلوغها شأواً عظيماً في المجد، وخاصة في ظلِّ جولاته وصولاته شمالاً في بلاد الأندلس التي كان الفرنجة يربضون على أطرافها حاملين مطامعهم في احتلالها.

قام المرابطون بدور مهم في خدمة الإسلام، ونظموا أنفسهم في ما يشبه توزيع الأدوار، فاتجه يوسف بن تاشفين بحملات نحو الشمال في الأندلس، في حين تولى أبو بكر بن عمر مهمة القيام بحملات نشر الإسلام شرقاً باتجاه مالي والنيجر وما بعدهما من دول القارة الأفريقية.

تركت دولة المرابطين آثاراً حضارية مهمة عكست سمو حضارة تلك الدولة المسلمة، ومن أعظم هذه الآثار على الإطلاق:

1 - جامع القرويين الذي يصنف كأحد أهم المساجد الجامعة في بلاد المغرب وأكثرها شهرة؛ لكونه جامعة إسلامية عريقة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، وكانت هذه الجامعة تقارع الأزهر الشريف في العلم وتخريج الدعاة والعلماء والفقهاء، حيث تخرج فيها أفواج من فقهاء الأمة وعلمائها الأبرار والقادة العظام، وكان لمسجد القرويين عند المرابطين مكانة عظيمة في نفوسهم.

وتذكرُ كتب التاريخ أن منبر الجامع من أجمل منابر الإسلام، وتدل على روعة المغاربة في اختياراتهم الذوقية الرفيعة.

2 - المسجد الجامع:

وهو في تلمسان وكان مقرًّا لنشر علوم الإسلام وتربية المسلمين على معاني القرآن، وتم بناؤه عام 530هـ في إمارة علي بن يوسف، وكانت هندسته المعمارية في غاية الجمال والاتقان، ورأى بعض المؤرخين أن البنيةَ المعمارية لمسجد تلمسان فيها لمسات أندلسية، وفنون معمارية قرطبية.

3 - الآثار الحربية:

اهتم المرابطون بالحصون والقلاع؛ ولذلك انتشرت في المدن والثغور. وزاد الاهتمام بالتحصينات العسكرية في زمن علي بن يوسف للدفاع عن دولته في المغرب ضد الحركات السياسية والثورات العدائية المناهضة لدولة المرابطين، وواصل الأمير علي بن يوسف اهتمامه بهذا الأمر كذلك في الأندلس.

ومن أروع آثار المرابطين الحربية أسوار مراكش، حيث بدأ الأمير علي بن يوسف في بناء سور المدينة عام 520هـ، وكمَّل بناءه عام 522هـ.

ومن أشهر قلاعهم في الأندلس قلعة منتقوط التي تقع على بساتين مرسية، ومن قلاعهم في المغرب قلعة تاسغيموت التي تقع على بُعد ثلاثة كيلو مترات جنوب شرق مراكش، وعلى بُعد نحو عشرة كيلو مترات شرق أغمات على سطح هضبة أطرافها ذات أجراف وعرة شديدة الانحراف، يصعب على الغازين ارتقاؤها، وأسوارها تمتد على حافة الهضبة نفسها، وقد عكست قلاع المرابطين وحصونهم تأثرهم البالغ بغنى العمارة الأندلسي.

وبعد عقود من التقدم والقوة، جاءت دورة التاريخ لتأخذ نصيبها، ودال الزمان على دولة المرابطين، ومرت بفترة انحطاط عرفت خلاله هزائم عسكرية متتالية على يد الإسبان في الأندلس، إلى جانب ضعف الدولة في المركز، بعد نشوء حركات تمرد في الداخل حتى جاءت لحظة السقوط في 26 رجب من عام 541هـ لتميط اللثام على واحدة من أهم الفترات التاريخية في بلاد المغرب العربي قاطبة.

طباعة Email