عبرة

سموٌّ إيماني يملأ الصديق قبيل ملاقاته ربّه

ت + ت - الحجم الطبيعي

أورد الإمام أبو العباس محمد بن يزيد المشهور "بالمبرّد" في كتابه "الكامل" مقالة الخليفة الراشدي أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين استعمل على المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، على النحو التالي:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر:

إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فإن برَّ وعدل فذلك علمي به، ورأيي فيه، وإنْ جار وبدَّل فلا علم لي بالغيب والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".

لا ينبغي مرور هذا النص مروراً عابراً، من دون النظر فيه، والاستفادة منه، وتمحيص دروسه التي لعل من أبرز ما يمكن أن يُستشفَّ من هذه الحادثة أنه لم يكن عند سلف هذه الأمة الصالح ما يسمى الآن تقديس للأشخاص، فعلى الرغم من مكانة عمر بن الخطاب الرفيعة، وقامته السامقة، وسبقه في الإسلام، وأفعاله التي تطاول الجبال الراسيات في خدمة الإسلام، فإن أبا بكر وضع عمر بن الخطاب أمام مسؤولياته في هذه الكلمات القصيرة، ووضع احتمالية الخطأ في عمر مثلما هي في أي شخص آخر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 وهذا يدل على أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لم يكونوا يركنون إلى أعمالهم، ويتكئون على مجدهم، بل كانوا في حالة رجاء وتعلق بالله، ونفي للذات، واعتماد وتوكل دائم على الله عز وجل. ولم تكن هناك عصمة لأحدٍ من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكأنه يريد أن يقول بأن العبدَ مهما علا شأنه يبقى عبداً يعتريه الخطأ.

ودرس آخر في غاية الأهمية، وهو أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه أبرأ ذمته في هذا النص أمام الله تعالى، وأمام الرعية، ولسان حاله يقول: أنا ما استخلفت عمر إلا بعدما علمت من صلاحه وريادته وأهليته لهذه المهمة الجليلة، فإن بدَّل بعدي، فهو مما كسبت يداه، وأنا أبرأ إلى الله تعالى. ولم يكن هذا سوء ظنٍّ بعمر على الإطلاق كما يمكن أن يتوهم من يقرأ النص في معزل عن معرفة القارئ بسيرة الصحابيين العظيمين، وإنما هو سموّ إيماني تجلَّى في حال أبي بكر وكلامه وهو يشعر أنه مقبل على ربه سبحانه وتعالى.

طباعة Email