رقائق

حتى تنفقوا مما تحبون

ت + ت - الحجم الطبيعي

من أكثر الوسائل فاعلية في تزكية النفس وتهذيبها؛ حملها على معالي الأمور وفضائل الأعمال، وتدريبُها على فعل الخير وبذل المعروف، وترويضُها على اعتياد ذلك والحِرص عليه.

ومن أبواب الخير الكثيرة التي يُطلب ترويضُ النفس على طرْقها والمشاركة فيها والضرْب فيها بسهم وافر؛ الإنفاقُ في سبيل الله عز وجل مما هو رزقٌ منه سبحانه وتعالى للعبد المستخلف في هذا الرزق: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).

هذا الإنفاق الذي يأمر الله عز وجل به، يجعل منه شرطا ضروريا للترقي إلى درجة البر والإحسان: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).

ويحذر اللهُ العبدَ من ترك الإنفاق ما دام في هذه الحياة، لأنه سيأتي عليه يوم يندم فيه إذا هو لم ينفق، وذلك عندما تبلغ الروحُ الحلقومَ، وتنكشف الحقيقة المطلقة أمام الإنسان، حينئذ يتمنى لو يبقى في الدنيا لينفق ويتصدق، ولكنها أمنية لن تتحقق، قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

اجتهاد

والعبدُ يوم القيامة، يكون في حاجة شديدة إلى كل حسنة، كبيرةً كانت أو صغيرةً، إذ هو لا يدري ما قد يكون سببا في نجاته من النار ودخوله الجنة، ولذلك عليه أن يجتهد بقدر الإمكان في الإكثار من الحسنات والتقليل من السيئات، ولا يحتقر منها شيئا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة".

إن كثيرا ممن آتاهم الله من فضله وأسبغ عليهم نعمه، يقبضون أيديهم ويمتنعون عن الإنفاق مما جعلهم الله مستخلفين فيه، شُحًّا وبُخْلا، وإنه ليوشك من يتبع نفسه هواها ويطيعُها في الإمساك والمنْع ألا يكون من المفلحين، ذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل الإنفاق وحمل النفس على البذل والعطاء ومحاربة الميل إلى الشح في النفس سبيلا إلى الفلاح والنجاة، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، ومعنى ذلك بالمفهوم المخالف أن من يطيع نفسه ويقبض يده ليس من المفلحين.

خوف

وهؤلاء الذين يمتنعون عن الإنفاق إنما يحملهم على ذلك في الأغلب؛ الخوفُ من نقص المال وعدم تعويضه، وهذا خوف لا مبرر له، لأن الله سبحانه وتعالى وعد المنفقين بتعويضهم أضعافا مضاعفة، فلا داعي للوجل والتردد: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، ويضرب لذلك مثلا بالحبة الواحدة من القمح أو الشعير التي تُزرَع فتأتي بالخير الكثير: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

 

الإخلاص والرياء

 

 

الإنفاق المطلوب والمرجو أن يرفع درجة العبد عند ربه؛ هو الذي تطيب به النفس وترتاح معه وترغب فيه وتقصد به وجه الله تعالى، والذي يكون خفيا بقدر الإمكان لا يطلع عليه الناس، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من بين من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله". أما الإنفاق المقترن بالرياء وحب السمعة أو المتبوع بالمَنِّ والأذى من المنفِق على المنفَق عليه، فهذا لا خيرَ فيه ولا أجرَ لفاعله، بل عليه الوزر والإثم، لأن إنفاقه لم يكن لوجه الله وإنما لوجه الشيطان، أو فيما يعود عليه بالنفع المادي الدنيوي لا ابتغاء الثواب الأخروي، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).

طباعة Email