كان العرب كثيراً ما يتخاطبون بلغة الشعر، فيتفقون أو يختلفون بالشعر، ولكن بالمعنى الذي بين السطور، فكان الواحد منهم يصيب مقتلًا في الآخر بمعنى عميق في صدر بيت شعري أو عجزه، وها هو معاوية يمازح الأحنف، ويريد من ذلك إثارته، فيسأله في القصة التي أوردها العلامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه أخبار الظراف والمتماجنين:

يا أحنف! ما الشيء الملفَّفُ في البجادِ؟ ( والبجاد: كساء مخطط) قال: هو السخينة (والسخينة: طعام رقيق يُتخذ من دقيق، وتلقب به قريش لاتخاذها إياه، وكانت تعيَّر به).

وقد أراد معاوية قول الشاعر:

إذا ما مات ميت من تميم *** فسرَّك أن يعيش فجِئ بزاد

بخبز أو بسمن أو بزيت *** أو الشيء الملفَّف في البجاد

وقد أراد الأحنف بـ "السخينة" أن قريشاً كانوا يأكلونها ويُعيَّرون بها، وهي أغلط من الحساء وأرق من العصيد، وإنما تؤكل في كلب الزمان وشدة الدهر.