بعض الناس، وربما كثير منهم، يظن أن بعد الجعجعة سيكون طحنا كثيرا. فمن الناس من هو جميل المظهر، مكثر من الكلام الطيب، كثير النصح لمن عرف ولمن لم يعرف، وفي نفس الوقت هو يكثر من انتقاد هذا، والتعريض بذاك، والتنقُّص من هؤلاء القوم، والتجريح بقوم آخرين، فالناس عنده إما جاهل، وإما مغرض، وإما قبيح، وإما عدو. تقصر عيناه عن رؤية الجمال، والتلذذ بالطيب. إن حضر مجلسا أخذ بزمام المبادرة في الكلام، فرفع صوته، وأظهر عضلاته، ونشر أفكاره، فإن وجد شخصا صامتا، مستمعا، قليل الكلام، عاب عليه، واتهمه بالضعف والجهل. لكنه ينسى، وربما يجهل، أنه خرج من هذا المجلس خاسراً، وخرج ذلك الصامت رابحا.

فأما الخسارة فهي في أنه أنفق ما عنده، ولم يأخذ مما عند غيره، فأكثر من الكلام، وزاحم الأنام.

وأما الفوز، فهو في أن الصامت السامع أخذ من الكلام غُرره، ومن المعاني أعمقها، ومن المجالس أدبها، فتزود بالعلم، وازداد في الرصيد، وراكم ثقافته، فكان بذلك أعلم من "المطنطِن" في الجلسة، وأفهم من "المدندِن" على رؤوس الناس.

وحال هذين الرجلين كحال البعوضة والبرغوث اللذين اجتمعا يحكي كل منهما قصته للآخر، فقالت البعوضة للبرغوث: إني لأعجب من حالي وحالك. أنا أفصح منك لساناً. وأوضح بياناً. وأرجح ميزاناً. وأكبر شأناً. وأكثر طيراناً. ومع هذا فقد أضرَّ بي الجوعُ. وحرمني الهجوعَ. وما أزال عليلة مجهودة. مبعدة عن الطريق مطرودة. وأنت تأكل وتشبع. وفي نواعم الأبدان ترتع. فقال لها البرغوث: أنت بين العالم مطنطنة. وعلى رؤوسهم مدندنة. وأنا قد توصلت إلى قوتي. بسبب سكوتي.

إذن، بالسكوت كسب البرغوث قوته، بينما بكثرة الكلام والجعجعة جنت البعوضة فقرها وهوانها. فلو كانت القضية بالبيان، والتحليق عاليا بعد الطيران، لكانت البعوضة أرجح من نظيرها البرغوث في الميزان، ولكن الأخير فقد فاز ونجا بعد أن صمت وسكت، واستعان على حاجته بالكتمان.

وكم يرى المرء في كل يوم من حاله كحال البعوضة، يعيش هائما على وجهه، حيران في أمره، لا يلوي على شيء. وكم يرى أيضا من حال كحال البرغوث خفيٌّ في أقواله، جليٌ في أفعاله.