يحب الإنسان الخير بطبعه وفطرته ويسعى لذلك حسب عقله وإرادته، متخذا في سبيل تحصيل المنافع الدينية والدنيوية كل الوسائل المتاحة له - وهو محمود على ذلك من ربه سبحانه وتعالى ومنظور إليه من العباد بعين التقدير والإجلال، إذ النفوس مجبولة على حب الساعين في الكمال الطالبين للجمال في الحال والمآل والجاه والمال.

والدين الحنيف يربي الإنسان المسلم على حب الخير للآخرين من بني جلدته وأهل دينه ثم عموم الخليقة لأن الإسلام يعتبر العقل والروح والعاطفة والوجدان، وهذه أمور كلها يخاطبها الوحي المنزل من الله تعالى ترغيبا وترهيبا من أجل الوصول إلى الغايات السامية والأصول النافعة كتحقيق الإيمان والأخوة الإسلامية والأخوة الإنسانية التي من حققها في نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى سهل عليه كل ما يوصل إليها ورغب دائما في كل عمل يكملها ويعمقها، ومن هنا يقول الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة" (الحجرات: 10)، فهذا إخبار من الله تعالى لا يكون ما ينافيه شرعا وعقلا إلا ممن ضعف إيمانه وضعف وازع الأخوة في قلبه وينشأ عن ذلك الخلل في تعامله مع إخوانه.

حب الخير

وقد قرب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث عدة معنى حب الخير للناس الذي هو معنى من المعاني في صورة ملموسة مادية تقع موقعها المؤثر في النفوس الحية والضمائر اليقظة، فقال: (المسلم أخو المسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم) الحديث. وشبه صورة الرابطة الإيمانية المقتضية للأخوة التي تبعث روح المحبة للخير تجاه الآخرين بالبنيان المتماسك بل بالجسد الواحد فقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، وقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وهذه أمور فطرية في الجسد فإذا كانت الأمور المذكورة معها: (من التواد والتراحم والتعاطف) بالغة في المؤمنين مبلغ تلك الفطرية تحقق المطلب الشرعي الذي هو حب الخير للناس، على أن إيمان المرء المسلم مربوط بتحقق ذلك الحب كما في الحديث المتفق عليه حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وفي لفظ: (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)، وهذا أمر ممكن بالدربة والتعود وترويض النفس على مقتضيات الإيمان ومطالبه والسعي في استكمال شعبه حتى تصبح عادة للنفوس الخيرة. وقد تحقق ذلك في عصر الرعيل الأول من الصحابة والتابعين حيث أثرت فيهم الأحكام الإسلامية فارتفعت بهم عن مهابط الأنانية والعصبية والنظرة النفعية المادية التي يحق للمعمم أن يحكم بها على المجتمعات المسلمة في هذه الأزمان المتأخرة لولا وجود بعض الأخيار في البلاد الإسلامية.

خصال

بينما كان الواجب على المسلمين في كل عصر أن يتحلوا بخاصية الحب عموما للناس من حيث حب الهداية لأهل الأرض والانتفاع بخيرات الأرض واستعمال خصال الإيثار في الماديات والتنافس مع الآخرين في القربات والتسابق إلى المعالي في الأخلاق والحضارة والرقي المقدر للإنسان في هذه الأرض.

ولو دعا الدعاة في هذه الأزمان إلى الأخوة الإنسانية وحب الخير لعموم البشرية، التي أصبحت تتأثر بكل المؤثرات السلبية أو الإيجابية على حد سواء، لكانوا موفقين وواقعيين ويؤيدهم في ذلك عموم خطاب القرآن الكريم للناس، وبني آدم، وأهل الكتاب، وفي الحديث: (أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة) وحيث أطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخوة الناس في الإنسانية فإن حب الخير للغير مطلب أخوي إنساني يُسعى إليه.