العجيب في أمر صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نفوسهم وطبائعهم ومناقبهم فاقت نظراءهم من بني البشر منذ فجر الخليقة، إذا ما استثنينا الأنبياء صلوات الله وسلاماته عليهم أجمعين.
فالصحابة كانوا فرسانا في النهار، ورهبانا في الليل، وكانوا يحملون على عواتقهم هم الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، ويعانون ما يعانونه من كفار قريش، وقبائل الأعراب التي تألبت عليهم، وتحالفت ضدهم، وإلى جانب ذلك هجروا أوطانهم، وتركوا أموالهم، وافترقوا عن ذراريهم، وعانوا الجوع والعطش والقلة، ومع كل ذلك كانت مواقفهم تضج بالحياة، وتمتلئ بالمحبة، وطيب الطباع، وتعكس عمق صبرهم ورضاهم، وطيب نفوسهم، وخفة ظلهم. وليس أدلَّ على ذلك من الموقف الطريف خفيف الظل الذي وقع أثناء رحلة بعض الصحابة إلى بصرى الشام في تجارة، وكان أميرهم أبو بكر بن الصديق رضي الله عنه وعنهم وأرضاهم أجمعين. فقد وقع موقف طريف للغاية، أظهر بوضوح بعضا من يوميات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وكان بطل الموقف نُعَيمان وسُوَيْبِط، فقد حرم الأولُ الأخير من الطعام، فكان رد الأخير صاعقاً. وعندما عادوا إلى المدينة ونقلوا الرواية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضحك وبقي مع الصحابة يضحكون عاماً كاملاً كلما استذكروا الموقف.
وهذه هي قصة الصحابة كما ينقلها العلّامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه الأثير "أخبار الظراف والمتماجنين".
"عن أم سلمة، قالت: خرج أبو بكر في تجارة إلى بصرى قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعام، ومعه نُعَيمانُ وسُوَيْبِطُ بن حرملةَ، وكانا قد شهدا بدرا، وكان نعيمان على الزَّاد، وكان سويبط رجلاً مزَّاحاً، فقال لنعيمان: أطعمني! قال: حتى يجيء أبو بكر؛ قال: أمَا لأغيظنَّك.
قال: فمرُّوا بقومٍ، فقال لهم سويبط: تشترون مني عبداً لي؟ قالوا: نعم؛ قال: إنه عبدٌ له كلامٌ، فهو قائلٌ لكم: إني حرٌ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا عليَّ عبدي! قالوا: لا؛ بل نشتريه منك.
قال: فاشتروه بعشر قلائصَ (جمع قلوص وهي الفتية من الإبل).
قال: ثم أتَوه، فوضعوا في عنقه عمامةً أو حبلاً، فقال نعيمانُ: إن هذا يستهزئ بكم، وإني حرٌ ولست بعبدٍ! فقالوا: قد أخبرنا خبرك؛ فانطلقوا به، فجاء أبو بكرٍ، فأخبروه بذلك، فاتبع القومَ، فرد عليهم القلائص، وأخذ نعيمانَ؛ فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منه حولاً".