تُرَى كم جنت البشرية منذ فجر وجودها على هذه الأرض في حق خالقها الأعلى عز وجل؟ لو أن رجلا أمر خادمه أو ولده بفعل شيء ولم يفعله، لكان ذلك كفيلا بأن يحمله على ضربه أو إهانته أو طرده. أما الله الخالق البارئ الرازق المصور ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا عز وجل، فلم يكتف عباده بعصيانه وترك أوامره فحسب، وإنما أضافوا إلى ذلك التطاول عليه والجراءة على مقامه، فقد لحِقَتْه من كثير من عباده كل صور الأذى، وكل أنواع الكفر والسب والفجور، كما قال سبحانه وتعالى: "مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج: 74). ولكن رحمته عز وجل سبقت سخطه، ووسعت كل مخلوقاته، فهو الرحيم بعباده وإن تألبوا عليه، وهو الرؤوف بهم وإن تطاولوا عليه. إن أفضال الله عز وجل على عباده لا تنتهي، فقد كفل لهم التصوير الحسن، وضمن لهم الإطعام إذا جاعوا، والشفاء إذا مرضوا، والانجلاء إذا واجهتهم الكروب والأخطار، دون النظر إلى عقائدهم، مؤمنين به كانوا أم كافرين: "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (غافر: 64)، "وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ" (المؤمنون: 79-80). ولكن مع ذلك فإن أكثر الناس لا يعرفون قيمة هذه النعم ولا يشكرونه عليها، كما قال سبحانه وتعالى عنهم: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ" (الأعراف: 10).

ماذا يريد الناس من ربهم أكثر من هذا الحِلم عليهم والصَّبْر على جُحُودهم؟

أي تطاول وأي جحود هذا الذي يصدر من الإنسان في حق خالقه عز وجل؟ أفلا يعلم الإنسان أن الله قادر على أن يترك الإنسان نهبا لأدنى المخلوقات تناهيا في الصغر من فيروسات وجراثيم وميكروبات حتى ترديه في أسوأ أنواع الأمراض؟ كما قال تعالى: "وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ". (الحج: 73).

أوَلاَ يعلمُ الإنسان أن الله قادر أن يمنع عنه رزقه، وأن يحرمه من فضله فلا يسمح له بنوم ولا بحركة ولا بسكون ولا بكلام ولا بسمع ولا ببصر ولا بإحساس؟ كيف سيكون حال الإنسان وقد حُرِمَ من هذه الأفضال كلها؟ وكيف سيكون حاله إذا كان يتمنى الموت حينئذ فلا يجده؟

لسنا هنا بصدد تعداد أنعم الله عز وجل علينا وأفضاله على الإنسانية بأسرها، فهي كثيرة لا يحصيها عَدّ، كما قال عز من قائل: "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا" (إبراهيم: 34)، ولكننا نريد أن ننبه إلى أهمية هذه الأفضال حتى نفكر فيها ونتأمل في أثرها في حياتنا فنشكر الله عليها، لأن التجارب علمتنا أن كثيرا من الأفضال التي كنا نتمتع بها لم نعرف قيمتها إلا حين حرمنا الله منها، وما حرماننا منها إلا عقوبة بسيطة لنا على جهلنا بقيمة تلك النعم وعدم اعترافنا بفضل الله علينا فيها، قال سبحانه وتعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" (إبراهيم: 7).

إن المشكلة الأساس تكمن في عدم اعترافنا بأن المآسي والمشكلات التي نعانيها في حياتنا إنما هي نتاج معاصينا وتكبرنا على التوجه إلى الله عز وجل بالشكر على ما أنعم به علينا. نعم، فأكثر الناس لا يصدقون أن ما يواجه مجتمعاتنا من محن وما ينتابها من اضطرابات وقلاقل إنما هو عقاب إلهي على كفرها بأنعم الله وتجاهلها لأفضاله عليها. إن الله عز وجل يقرر هذه الحقيقة ببيانه الحكيم الناصع، حين يقول: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ". (الشورى: 30). فلا سبيل إلى المحافظة على نعم الله والاستزادة منها؛ إلا سبيل الحمد والشكر والثناء على واهبها عز وجل، امتثالا لأمره العظيم في قوله الكريم: "وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ" (البقرة: 152).