قال الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}. (العنكبوت: 10).

مظاهر

بعض الناس يحصر الإسلام في مظاهره، فيقول في نفسه ولنفسه: «أنا أصلي وأصوم»، إذاً أنا على خير وفلاح. وفي الواقع هذا عين الخطر، لأن قَصْر إسلام المرء على العبــادات الظاهرة، يعني التفلت من مقتضيات يفرضها الإسلام فرضاً عينياً على كل مسلم ومسلمة داخل في حيّز التكليف، ويعكس نظرة قاصرة، ينبغي أن تظهر في حياة المسلم. والآية أعلاه تبين هذا الكلام بشكل لا لبس فيه، فهناك فئة من الناس تدعي الإيمان، وتجاهر بصوتها عن إيمانها وانتمائها لهذه الأمة، ودخولها في ظل المؤمنين الذين أثنى عليهم الله تبارك وتعالى، ولكن هذه الفئة نفسها هي التي تتراجع وتنكص على أعقابها مع أول إيذاء يواجهها في سبيل دينها. فهو يحب الإسلام، ظاهراً، طالما أنه كان في مأمن من الخطر، ورغد من العيش، أما عندما تحين ساعة الجدّ، يبدأ في التقهقر، ثم يطلق الأسباب التي تبرر موقفه المناقض لأقواله وادعاءاته.

خروج

هؤلاء يتمثلون في القوم الذين نزلت فيهم الآية المذكورة أعلاه، والتي أورد الإمام الطبري، رحمه الله تعالى، سبب نزولها رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: «كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} إلى آخر الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية أن لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: {ومن الناس من يقول آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله}، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم} فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، حتى نجا من نجا، وقتل من قتل».

امتحان

هذه القصة تؤكد حقيقة غاية في الوضوح والدقة، أن المؤمن ممتحن، ومطالب بأن يتجاوز الامتحان، وأن يصبر على الأذى، وأن يثبت على المبدأ، لأن العبرة في الآخرة، لا في الدنيا، ولأن المكافأة للإيمان الحقيقي والعميق، مكافأة ثمينة، ولا بد من بذل الأثمان في الحياة الدنيا من أجل تحصيل مكافأة الله عز وجل. وقد قال الله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. (البقرة: 155).

وقال عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}. (محمد: 31).

وقال تبارك وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُـمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَــاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}. (البقرة: 214).

هؤلاء القوم هم قريبون جداً، إن لم يدخلوا أصلاً، في فئة على خطر عظيم قال عنهم الله تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}. (البقرة: 204-206).

صفات المكذبين

 

يفسر الإمام ابن كثير، رحمه الله، الآية، بالقول: «يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم فارتدوا عن الإسلام. قال ابن عباس يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله.. إلخ، ثم قال عز وجل: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} أي ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد وفتح ومغانم ليقولن هؤلاء لكم إنا كنا معكم أي إخوانكم في الدين.. ثم قال تعالى: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم وإن أظهروا لكم الموافقة؟».