العبادة هي الوظيفة التي خلق الله الإنسان من أجلها؛ مصداقاً لقوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، ومن فضل الله عز وجل على العباد أن أرسل لهم الرسل، وأنزل لهم الكتب، وشرع لهم الشرائع التي تكفَّلت ببيان صور العبادة وأشكالها وأوقاتها، وما يصح منها، وما لا يصح، وهذا يعني أن التطبيق الصحيح للعبادة ليس متروكاً لحرية الإنسان واختياره، وإنما الذي يملك تحديد ما يعد عبادة، وما لا يعد كذلك هو الله عز وجل، وعلى العبد أن يسير مع مراد الله سبحانه وتعالى حيث سار.
والعبادة تعتبر وظيفة العمر بالنسبة لكل البشر، بحيث لا يتصور حصول واحد من الخلق على إجازة منها، في ليله أو نهاره، في بيته أو محل عمله أو في أي مكان، في حال صحته أو مرضه، فكل من في السماوات والأرض موصوف بوصف العبودية لله عز وجل في كل أزمانه، وفي كل أحواله، وفي كل مكان يتواجد فيه، ومع ذلك يبقى أن لكل وقت أو حال يعرض للإنسان عبادةً تخصه لا يقبل منه عبادة أخرى في هذا الوقت أو في تلك الحال. فالعبادة المطلوبة عند مشاهدة إنسان يغرق مثلاً هي بذل الوسع في إنقاذه، ولا يقبل من العابد أن ينشغل عن هذا الإنقاذ بالدخول في الصلاة أو البدء في ورد من التسبيح أو التهليل. والعبادة المطلوبة عند حضور الضيف هي بذل الوسع في إكرامه، ولا يقبل من العابد أن ينشغل عن هذا الإكرام بنافلة إتمام الورد القرآني، أو مطالعة بعض كتب العلم. والعبادة المطلوبة من المدرس في قاعة الدرس هي استفراغ وسعه في سبيل الوصول إلى إتقان المتعلمين لمادته التي يتولى تدريسها وهكذا، فلله تعالى عمل بالليل لا يقبله بالنهار، وعمل بالنهار لا يقبله بالليل.
والمسلم الصحيح هو من يتقن التطبيق السليم لواجب الوقت، بحيث يؤدي في كل وقت ما هو مطلوب منه دون أن ينشغل بسواه، وقد نجح الصحابة الكرام في استيعاب هذا المعنى استيعاباً كاملًا، فكفوا أيديهم عن القتال في مكة المكرمة لما أمروا بذلك؛ على الرغم من أن الأسباب الداعية للدفاع عن أنفسهم ضد ما يتعرضون له من عدوان كانت متوافرة، ولم يترددوا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في الهجرة من أوطانهم؛ تاركين محال إقامتهم، مرتين إلى الحبشة، ثم أخيرًا إلى المدينة المنورة؛ باعتبار أن هذا فرض الوقت، ولم يتأخر أحدهم في الاستجابة والامتثال لأمر الله تعالى، على الرغم مما للوطن من مكانة لا تخفى في قلب الإنسان، كما أن الصحابة لم يتثاقلوا عن تنفيذ أمر الله بالدفاع المسلح عن الدين الحنيف لما أمروا بذلك بعد الهجرة إلى المدينة المنورة.
ونحن مقبلون على أيامٍ مباركاتٍ، هي أعظم أيام العام، وهي الشهر المبارك، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان. وواجب الوقت في رمضان صيام نهاره، وقيام ليله، والإكثار من قراءة القرآن وبذل الصدقات وإطعام الطعام وصلة الأرحام والاعتكاف في المساجد؛ التماساً لليلة القدر في العشر الأواخر منه، فضلاً عن أداء كل مسلم ما يطلب منه من عباداتٍ مخصوصةٍ تتعلق بواجبات حرفته التي يعمل فيها، أياً كان الموقع الذي يشغله، ولي في الله أعظم الأمل أن يهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يعيننا على الوفاء بالواجبات الشرعية في كل وقت وفي كل حال على أكمل وأتم ما يكون الوفاء.
أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي