نال "ملقاه فقادو" ثقة الكنيسة حتى وصل إلى أعلى المراتب الكنسية، ولكن داخله الشك عندما وقع تحت يده كتاب يتضمن تفاسير قرآنية وكانت بداية خطواته على طريق الإيمان الذي يحكيه فيقول:

"عشت سنوات من التيه، ولم أدر ما يخبئه القدر لي. خدمت المسيحية بكل ما أستطيع، ومن ثم تدرجت حتى وصلت إلى مراتب عليا في الكنيسة وأصبحت أحد القياديين فيها.

ولد ملقاه فقادو لأب يهودي وأم نصــرانية في إحدى قرى اثيوبيا، ودرس في صباه التوراة والإنجيــل، واختار أن يصير نصرانياً كأمه.

ولم يجد "ملقاه" ذاته في التوراة أو الإنجيـل، إذ رأى في الأولى مجموعة من الأقاصيص والأساطير التي عمد الكهان والأحبار إلى حشوها بكل ما هو غريب بعد أن حرفوا الكلم عن مواضعه، فنبذها إلى دراسة الإنجيل الذي تؤمن به والدته، فوجد أن التناقض بين نصوص الأناجيل واضح فضلاً عن كونها لا تقدم تفســيراً للحياة والكون، فأدرك أنها ليست الكتاب المنزل على عيسـى عليه السلام.

اجتهاد

استمر عمله في الكنيسة ست سنوات، اجتهد خلالها في الدعوة إلى النصرانية في ظل راتب سخي وسكن أنيق وسيارة فاخرة في بلد تهدده المجاعة كل يوم وتفتك بالكثيرين من مواطنيه.

وظل هكذا حتى كانت ليلة فاصلة إذ رأى في منامه رجلاً يقترب منه في المنام ويوقظه هاتفاً به أن يقرأ شهادتي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وسورة الإخلاص: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كُفُواً أحد}، فقام من نومه فزعاً وقد روعته تلك الرؤيا التي لم يستوعبها، وإنما فسرها بفهمه القاصر على أنها من الشيطان.

وتكررت الرؤيا لليلتين أخريين، ورأى في الليلة الثالثة نوراً يضيء أمامه الطريق ورجلاً يقرئه الشهادتين وسورة الإخلاص، فأدرك من فوره أن هذه رؤيا حق، فالنور الذي أضاء سبيله في الرؤيا قد تسرب في وجدانه وأنار بصيرته. ولم يطُل به التفكير حتى أشهر إسلامه عن اقتناع تام.

ووافقته زوجته وأولاده الثلاثة. وكان أول ما فعله "ملقاه" بعد إشهار إسـلامه أن قام بتغيير اسمه إلى "محمد سعيد" معتبراً ذلك اليوم يوم ميلاده. أما بالنسبة للأوساط الكنسية فقد استقبلت نبأ إسلام "محمد سعيد" بغضب شديد، وحرمته من الامتيازات، وسعت حتى أدخلته الســجن ليلقى صنوفاً وألواناً من التعذيب.

وتحمل "محمد سعيد" كل ذلك صابراً محتسباً أجره عند الله، ولم يتزحزح إيمانه قيد أُنمُلة، ولسانه يلهج بالقول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله".

وحين لم تُجدِ معه وسائل التعذيب اضطر القـساوسة إلى تركه لكيلا يتحول إلى رمز وقدوة لرعايا الكنيسة.

وخرج "محمد سعيد" من السجن أقوى إيماناً وجعله الله سبباً في هداية نحو 280 شخصاً اعتنقوا الإسلام على يديه.

ويقضي "محمد سعيد" أوقاته في حفظ القرآن الكريم، مع ما في ذلك من مشقة لكونه من غير الناطقين باللغة العربية ليتمكن من الدعوة الإســلامية.

يأس الكنيسة

ونظرا لمحاولات الكنيسة النيل منه بعد أن يئست من عودته إلى دينها لاحقته، فقام مكتــب الرابطة بإثيوبيا بالتنسيق مع الأمانة العامة للرابطة بمــكة المكرمة بمنحه تأشيرة دخول إلى المملكة العربية. ونظراً لحدة ذكائه فقد تعلم أساسيات اللغة العربية في وقت قياسي وتعمق في دراسة الإسلام وحسن إســلامه وظهرت سمات الصلاح في وجهه وحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم وترقق قلبه وأصبح دائم البـكاء من شدة فرحه بما أنعم الله عليه من نور الهداية.

وفي هذه الأثناء جاءته ابـنة راعي الكنيسة من إثيوبيا، وهي شابة حسناء، مدعية بأن أباها طردها عندما أدرك أنها ستسلم، وطلبت منه إنقاذها من أسرتها التي تريد قتلها، والزواج منها وتعليمها الإسلام وتم لها ما أرادت. ولم يكن يعلم بما حيك له من سوء، فقد كانت مصابة بمرض الإيدز وبالتالي انتقلت إليه العدوى وإلى زوجته الأولى. ولما أدركت هذه الشابة نجاح مهمتها ولّت هاربة. ولم يمهلهما المرض كثيراً حيث توفيت زوجته بعد عدة أشهر أما هو فقد هزل جســمه وضعفت قوته ثم قضى نحبه ودفن بمكة المكرمة.

نقلا عن كتاب «عادوا إلى الفطرة» (بتصرف)

سؤال ومقارنة

يقول محمد سعيد: "كنت محباً للقراءة، قرأت كتبا عن الإنجيل، وفوجئت وأنا أقرأ بعض الكتب الإنجيلية المترجمة أنها تتناول الدين الإسلامي وتطرح سؤالاً: أهو دين سماوي أم لا؟ ثم مرت الأيام وعثرت على كتاب للتفاسـير القرآنيـة مكتوب باللغة الأمهرية، فبدأت أقارن بين ما وجدته في هذا الكتاب وما قرأته سابقاً في الترجمات الإنجيــلية عن دين محمد، وأيقنت تماماً أن الإسلام هو الدين الحقيقي. بعدها أشهرت إسلامي وتسميت باسم "محمد سعيد فقادو". ثم عكفت على إعداد دراسة تبين أسباب إسلامي ورفعتها إلى المجلس الإسلامي الأعلى في أديس أبابا" .

ويضيف:

" لم تقف الكنيــسة موقف المتفرج، فحركت أذنابها في السلطة الشيــوعية إبَّان عهد "منجستو" واعتقلت لمدة ثلاثة أشهر بلا ذنب سوى أنني اعتنقت الإسلام وتخليت عن المسيحية".

ويتابع: "بعد خروجي من السجن نجحت في إدخال أكثر من مئتي شخص لدين الإسلام، وجرى اعتقالي مرة ثانية قبل أن يفرج عني بوساطة".