الأخلاق والفضيلة من المقاصد العظيمة التي جاء الإسلام ليعززها ويكرسها في النفس البشرية، وكل ما يعيق هذه المقاصد، أو يجرحها، هو محرم شرعا، وعلى هذا الأساس فإن الصفحات الإباحية التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي اليوم تقف على نقيض تام من الإسلام، وفي مواجهة حقيقية مع قيمه وأخلاقه. لكن هذه الحرب ليست سهلة على الإطلاق خاصة وأنها تغطي مساحة واسعة من صفحات المواقع الاجتماعية، وخصوصا «الفيسبوك» الشهير، لدرجة أن أحد المواقع يضم في عضويته وزائريه مئات الملايين.
ووفقًا لآخر الدراسات غير الرسمية فإن عدد الصفحات الإباحية على الإنترنت، والتي يتبادل فيها الشباب والفتيات الحديث في الأمور الجنسية، تقدر بنحو 2.3% من حجم الصفحات الكلية على الإنترنت.
وهناك اتفاق بين علماء المسلمين الذين قالوا إن الدخول إلى مثل هذه الصفحات حرام شرعا، وعلماء الاجتماع الذين حذروا من المخاطر الكبيرة الناتجة عن تصفح هذه الصفحات، ووصف كلا الفريقين من العلماء هذه الصفحات بـ"الآفة الخطيرة" أو "بالبلاء الذي عمّ" والذي يهدّد ويستهدف الشباب المسلم، محذرين من أنها تخلق جيلاً جديداً يتسم بالضعف، والبعد عن القيم الإسلامية والعربية، وهو ما يظهر بوضوح في كثرة الجرائم الجنسية، واختطاف الفتيات، والتحرش الجنسي، وازدياد معدلات الجريمة والمشاجرات.
وقد استطلعت "البيان" آراء عدد من الشباب والفتيات الذين يدخلون هذه المواقع إما بانتظام أو على فترات متباعدة، فجاءت آراؤهم متباينة ما بين باحثة عن مجرد الاستطلاع والمعرفة، وآخر يرى في الإنكار على مرتادي هذه الصحفات مبالغة، وثالثة رافضة لهذه الصفحات ومؤيدة لمنع الدخول إليها.
وحول المقصود بالإباحية، يقول د. شريف علي أستاذ اللغة العربية: يقصد بها كل المواد المطبوعة أو المرئية التي تحتوي على وصف صريح لما يتنافى مع العادات والتقاليد وتهدف إلى تحفيز المشاعر المثيرة جنسيا، مشيرا إلى أن الإباحية ليست وليدة هذا العصر، وإنما هي من الأمور القديمة جداً، والتي تصل إلى القرن الخامس قبل الميلاد، لكن التقدم الذي شهده العصر الحالي من أدوات تكنولوجية جديدة ساهم في انتشار مثل هذه الأمور. ففي السبعينات من القرن الماضي انتشرت الأفلام الإباحية في الغرب، وظهرت الشركات الإنتاجية التي تعمل في هذا المجال، ويعد ظهور الإنترنت أفضل وسيلة لمثل هذه الشركات في الترويج وبيع منتجاتها.
من جانبه، نوّه د. محمد عبد المنعم، الباحث الاجتماعي، بأن الإحصاءات تشير إلى أن أعضاء الصفحات الإباحية على الفيسبوك يمثلون مختلف الفئات ما بين فئة الشباب وما بين كبار السن، سواء كانوا رجالاً أو نساءً، وهو ما يتسبب في العديد من المشكلات الاجتماعية، فعلى مستوى الشباب يتضح انخفاض المستوى التعليمي، وعلى مستوى الأسرة ترتفع معدلات الطلاق.
وحول موقف الإسلام من تلك الظاهرة، أوضح عبد الحميد محمد، الداعية الإسلامي، أن الإسلام يحرم الإباحية بكل صورها تحريما مطلقا، كما يحرم أن ينظر الإنسان إلى عورات الآخرين المحرمين شرعا، حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} (النور: 30)، وقال أيضا: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهنَّ} (النور: 31). كما نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن النظر إلى الإباحيات، إذ روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لكل بني آدم حظ من الزنا، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبلة، والقلب يهم أو يتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" (متفق عليه).
خطر مجتمعي
أما د. محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، فقال إنه من المؤسف جدا ظهور مثل هذه المواقع والاطلاع عليها؛ لأنها خطر كبير على الأسرة، وخاصة الشباب الذين يخضعون يوما بعد الآخر لتحديات وصعوبات كثيرة من أجل خروجهم عن الطريق المألوف. وحول مواجهة مثل هذه الأخطار، أكد الشحات أن الحلول يجب أن تتم عن طريق كل من الأسرة والإعلام وعلماء الدين والحكومة، فالأسرة يجب عليها تشديد الرقابة على الأبناء وخاصة عند استخدامهم للإنترنت والتكنولوجيا الحديثة.
حيث إن الأطفال في هذه المرحلة العمرية يتم اجتذابهم لما هو غريب، لما يمتلكونه من حب معرفة واطلاع، وخاصة عن الجنس، كما يجب على الإعلام الإكثار من تناول هذه الموضوعات، وتوضيح خطورتها وأهم الأرقام والمؤشرات حولها، ويجب أيضا على الدعاة حث الشباب على التمسك بالدين الإسلامي، وأحكامه السمحة، وتوضيح مدى حرمة مثل هذه الأمور شرعا. وفيما يخص الحكومة فقد أكد أنها تستطيع الحد من خطورة مثل هذه المواقع عن طريق حجبها أو تشديد الرقابة على ما يتم النشر فيها.
برامج حماية
أما المهندس أحمد عرابي، خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فأكد أن الأسرة تستطيع وبكل سهولة منع أطفالها من الدخول على مثل هذه الصفحات والمواقع المنتشرة بصورة كبيرة على الإنترنت من خلال استخدام بعض البرامج المتخصصة في حجب مثل هذه الصفحات، والتي يمكن بسهولة تحميلها وتنصيبها مثل برنامج Antiporn المتخصص في حجب مثل هذه المواقع، كما يمكن حجب القنوات الفضائية الإباحية أيضا عن طريق كلمة السر الموجودة في جهاز الاستقبال (الريسيفر).
مواجهة
قالت د. آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة، إن هذه القضية من الأمور المسيئة لنا جميعا، ويمكن وصفها بـ"البلاء" الذي يصيب الإنسان، فالله تعالى كرم الإنسان بالزواج، فلماذا إذن يترك الإنسان الحلال ويذهب إلى الحرام.
أضافت أن انتشار هذه المواقع نوع الحرب النفسية يستهدف الغرب منها قيمناالإسلامية وانحراف شبابنا إلى الأمور الدنيوية.
وحول مواجهة هذه الأخطار أكدت أن الظاهرة أصبحت منتشرة في ظل آلاف الشكاوى من الزوجات حول إقدام الأزواج على الدخول إلى الصفحات الإباحية، ولذلك يجب على الزوجة أن تقوم بتوعية الزوج دينياً وحثه على أن ارتكاب مثل هذه الأمور حرام، كما يجب أن تلفت انتباهه لها من خلال التزين والتجديد، أما عن الشباب غير المتزوج فعلى الأسرة أن تقوم بالرقابة على الأبناء وزيادة التوعية الدينية، وحثهم أيضاالاقتداء بسنة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.


