قال أبو القاسم القشيري: (الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ لمخلوق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى، وقال، ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين) ["الرسالة القشيرية".
وعلى هذا تبنى مباهج الإخلاص، فلإفراد الله جل جلاله بالتوجه، ولإفراده بالتعبد، مباهج لا يعرفها إلا من ذاقها، (كما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه) كما قال ابن عطاء الله السكندري.
ولكل هذا، فعلى العبد حين يقدم على عمل صالح أن يقصد به وجه الله فقط، بعيدا عن تقصّد رؤية الناس لهذا العمل الصالح (الرياء) وبعيدا عن تقصّد سماع الناس عن هذا العمل الصالح (السمعة)، فشروط قبول العمل -إن شاء الله - أن يكون صالحا صوابا يوافق الشرع يبتغي به المؤمن رضا الله الكريم بعيدا عن الرياء والسمعة.
(الإخلاص هو ما لا يطّلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطانٌ فيفسده، ولا يعجب به صاحبه فيبطله) كما عرّفه ابن القيم، وهو بالتالي من أعمال القلوب، التي بين العبد وربه.
عن أبي سعيد بن أبي فضالة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليومٍ لا ريب فيه، نادى منادٍ: مَنْ أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" [رواه الترمذي].
لأننا عباد للرحمن جل جلاله، فيجب أن يكون حبنا الغامر لتحصيل رضاه الدافع الأوحد لإقبالنا على الخيرات، وهكذا فنحن في أعمالنا الخيّرة نرجو ثوابه ونوجّه وجوهنا إليه، هذا التوجه القلبي اللطيف يورث بهجة قلبية راقية وشعورا معنويا مباركا يعد بمثابة منحة ربانية كمكافأة للعبد الذي لا يقصد بأعماله إلا الله {وما أُمِروا إلا لِيَعبُدوا اللهَ مُخلِصينَ له الدينَ} [البينة: 5].
جاء رجل يقال له حمزة بن دهقان لبشر الحافي العابد الزاهد، فقال أحب أن أخلو معك يوماً، فقال: لا بأس تُحدد يوما لذلك، يقول فدخلت عليه يوماً دون أن يشعر، فرأيته قد دخل قبة فصلى فيها أربع ركعات لا أحسن أن أصلي مثلها، فسمعته يقول في سجوده "اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الذليقصد بالذل عدم الشهرة - أحب إلي من الشرف، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الفقر أحب إلي من الغنى، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أني لا أُوثر على حبك شيئا"، يقول فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء..".
وهكذا، فمن أراد التشبه بمقامات الإخلاص عند السلف الصالح، والتلذذ بمباهجه، فعليه أن يعقد العزم على تصفية توجهه إلى الله جل جلاله، دون أي أحد من المخلوقين، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110)
ثم عليه تتبع إخلاص الانبياء والرسل، والصحابة والتابعين، والتقرب من المخلصين المعينين على جعله يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
