قال الله عز وجلَّ في معرض ثنائه على الأنصار رضوان الله عليهم: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. (الحشر: 9).
تتكلم الآية الكريمة عن واقع حصل منذ ما ينيف عن ألف وأربعمائة عام، ذلك الواقع الذي لم تكن البشرية قبل ذلك الوقت قد تعرفت إليه، ولا تذوقته، بل إن أكثر من ثلثي عالم اليومي وهم من غير المسلمين يقفون عاجزين عن استيعاب الواقع الذي تقرره الآية الكريمة، والحديث هنا عن الإيثار، ذلك الخلق الإسلامي بامتياز، الذي طبقه الصحابة بطريقة أعيت خيالَ أفلاطون عن بلوغها. الصحابة الذين أذهلوا البشرية بصدق قلوبهم، وعمق إيمانهم، وبكيفية تنزيلهم لهذا الإيمان القلبي الصادق على حياتهم وتحويله إلى واقع معاش.
الصحابة الذين خرج منهم سعد بن الربيع الأنصاري ليؤثر أخاه عبد الرحمن بن عوف المهاجر، فيقول سعد له: "أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شَطْر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها". هذا إيثار ما بعده إيثار، تنازل عن نصف ماله حباً وطواعية لأخيه الذي بالكاد تعرف إليه، وعرض عليه التنازل عن أجمل زوجتيه، لكن في الجهة المقابلة كانت عزة النفس، وصدق الالتجاء إلى الله، والأخذ بالأسباب، فرد بن عوف، قائلاً: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق".
حديث
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك. قال فنزلت هذه الآية:{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} هذه المشاهد التي لا تنتهي في حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست نتاج ذواتهم، رغم ما في ذواتهم من خصائص تفردوا بها عن البشرية بعد الأنبياء والرسل، بل كانت نتاج أمرين: أولهما التأثير الحاد والقوي الذي تركهم فيه الإسلام بسائر عقائده وأحكامه وأخلاقه ومعاملاته.
وثانيهما الموهبة الربانية و"الإعجاز الخُلُقي" الذي رأوه في إمامهم وقائدهم وحبيبهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هذا التأثير انسحب على سائر الصحابة الذين حملوا خلق الإيثار بما يعكس صدق إيمانهم بالرسالة المحمدية، وفرادة الجينات البشرية التي حملوها. غير أن تلك الخصائص حلّت في التابعين وتابعي التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا، ولكن بنسب قليلة متناسبة تناسباً طردياً مع مرور الوقت.
عِظَم الإسلام
وللدلالة على عِظَم الإسلام، وقوة تأثيره في أتباعه، تمثل الإيثار حيّاً في بعض مواطن العسرة والنوازل بين المسلمين، فهاك البلد الذي يئن أهله تحت النيران والقتل والتشريد تخرج الأخبار الموثقة التي تتحدث عن ذوبان الأنا في الجماعة، وعن نكران الذات لصالح الغير، فهذا يترك الخبز على ندرته لصالح أخيه، وآخر يفتدي جاره بحياته، وثالث يدخر مبلغاً من المال حصيلة سنين لإجراء عمل جراحي ثم يتنازل عنه لصالح إخوانه من ذوي الحاجة المشردين والمضطهدين في صور بشرية فذّة يكاد المرء لا يصدقها لولا معرفته بالإسلام العظيم الذي يصنع الأعاجيب في قلوب وعقول متبعيه.
لا يجد المراقب المحايد والمهني مخرجاً من التسليم بأن الإيثار خلق عظيم وهو هدية الإسلام للبشرية.
جَهْدُ المُقِلِّ
جاء في تفسير ابن كثير لقوله تعالى:"ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة": أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أفضل الصدقة جَهْدُ المُقِلِّ"، وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله تعالى "ويطعمون الطعام على حبه" وقوله "وآتى المال على حبه" فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه .
ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أبقيت لأهلك؟ فقال رضي الله عنه أبقيت لهم الله ورسوله، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
