"نظرت إلى هذا البحر العظيم بعيني طفل يتخيل أن البحر قد ملئ بالأمس، وأن السماء كانت إناء له، فانكفأ الإناء، فاندفق البحر، وتسرَّحت مع هذا الخيال الطفلي الصغير فكأنما نالني رَشاشٌ من الإناء..
إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفس قريبة من طفولتها، ومرحِ الطفولة، ولعبِها، وهذيانها".
بهذه السجية الأدبية التلقائية والبعيدة عن التكلف، ينطلق الأديب المسلم العربي مصطفى صادق الرافعي، رحمه الله تعالى، في خاطرته، وهو يرسم ملامح الجمال الصافي في مخيلته، منطلقا من براءة الطفل الذي يرى الأشياء بعين الجمال، وبعين النقاء. يرى الأشياء على طبيعتها خالصة من أي شوائب. يراها بعيدة عن التعقيدات والملابسات. كمال لو أن الرافعي أراد أن يقول: "كن جميلا ترى الدنيا جميلة".
حاول مصطفى الرافعي، وقد سُدِّد في مسعاه، في كتابه الرائع "وحي القلم" أن يطل على الجمال من نافذة صافية، نافذة الطفولة النقية التي لم يتلوث ذهنها ولا ناظرها بلوثات الزمان، وذلك بأسلوب أدبي سهل رائق، ابتعد فيه عن الكلفة اللفظية، ولكنه ضبط تراكيبه، وقدم المعنى بأدق وأجمل صورة، لذلك خرجت خاطرته من وجدانه لتصب في وجدان القارئ.
ولا يمكن قصر فهم النص الأدبي على إدراك الجمال بحس الطفولة فقط، بل إنه يرمي تمتع النفس بالحس الجمالي الطبيعي النقي، ويدفعها إلى أن تعود إلى فطرتها، إلى براءتها، إلى انطلاقتها الفطرية بدون تكلف.
ويواصل الكاتب تألقه، فيغمز إلى القناعة والرضا والقبول من قناة النفس الجميلة التي تضفي جمالها على الأمور كلها مِن حولها، فينلقب الليل إلى جواهر متلألئة، ويتحول نور النهار إلى عذوبة كعذوبة الماء النازل على القلب الظامئ.
وهذا هو نصه الثاني الذي اختار فيه بساطة العبارة، وجمال المعنى:
"في جمال النفس يكون كل شيء جميلا، إذ تلقي النفس عليه من ألوانها، فتنقلب الدار الصغيرة قصرا لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي، وتعرف لنور النهار عذوبة كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم للحور العين في السماوات، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة في الهواء.
في جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة، وكأن الله أمر العالم ألا يعبس للقلب المبتسم".