في أحيان كثيرة يقف الإنسان ليواجه نفسه بسؤال خطير: هل أنا مؤمن حقا؟. وهو إذ يوجه إلى نفسه هذا السؤال لا يعني أن إيمانه قد طرأ عليه ما يجعله ينقلب إلى كفر أو إلحاد، وإنما لأنه لا يجد في نفسه شعورا حقيقيا بالإيمان الذي يدين به لله عز وجل، ولا يجد في واقع حياته تجسيدا حيا لهذا الإيمان.
وهنا يأتي السؤال: ما السبيل إلى أن نجد حلاوة الإيمان في نفوسنا ونرى تجلياته في واقع حياتنا؟
إن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، يوجهنا إلى الخصال التي يجب أن نتحلى بها إذا أردنا أن نجد حلاوة الإيمان في نفوسنا، وذلك في الحديث الصحيح عن أنسٍ رضي الله عنه، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سَوَاهُمَا، وَأنْ يُحِبّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُ الله مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ).
ثلاث خصال إذا تحلى بها الإنسان وجد حلاوة الإيمان، وهي خصال تجمع مقاصد الإنسان في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
فالناس في هذه الحياة يحبون الكثير من الأشياء؛ أزواجهم، وأولادهم، وأموالهم، ومصالحهم، وحبهم لهذه الأمور كلها ينعكس بعد ذلك على سلوكياتهم، بحيث لا يتحركون في هذه الحياة إلا لخدمة وحفظ ما يسيطر حبه على نفوسهم. والمؤمن الحق هو الذي يسيطر على نفسه حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا ينطلق في الحياة إلا لخدمة ما فيه رضا الله ورسوله، لا يبتغي إرضاء نزوة ولا تحقيق مصلحة رخيصة، فبذلك يتحرر من أسر الأهواء والشهوات، فيخلص إيمانه لله عز وجل، وحينئذ يستشعر حقا حلاوة الإيمان. قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) (البقرة: 165)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
ثم إن الناس حين يتبادلون الود والمحبة فيما بينهم، عادة ما يكون هذا الحب مرتبطا بمصالح مشتركة، فإذا ذهبت تلك المصالح ذهب الود والحب. فالحب الحق هو الذي ينشأ بين المؤمنين، لا لأجل مصالح مشتركة، وإنما لأن الرابطة التي تربطهم هي رابطة الإيمان، فلا ينبغي لمؤمن أن يحب أحدا إلا لله عز وجل، وهو إذا أحب غيره حبا خالصا لله متحررا من كل الأهواء والشهوات وجد في نفسه حلاوة الإيمان، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ).
وثالثة الخصال التي يرشدنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أن يكره المؤمن أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، فالمؤمن الحق يعرف الكفر على حقيقته، إنه جحود لفضل الله عز وجل، وخضوع للشهوات والدنايا، وجهل بالحق، فهو سجن حقيقي يعيش فيه الكافر دون أن يدري، أما الإيمان فهو التحرر من العبودية لغير الله عز وجل، والانطلاق من أسر الشهوات والملذات التي تربط الإنسان وتقيده، ولذلك فإن المؤمن الصادق هو الذي يكره أن يعود إلى الكفر، لأنه يعرف حقيقة الكفر كما يعرف حقيقة النار، فإذا كان إحراق النار حسيا، فإن الكفر يحرق معنويات الإنسان ويلغي كرامته وقيمته في هذه الحياة، ولذلك فهو يستحق أن يُكرَه ويُبتعدَ عنه، كما أن النار تُكرَه ويُبتعدَ عنها، وإذا كره الإنسان الكفر، ملأ حب الإيمان قلبه، فاستشعر حلاوته في نفسه.
ثلاث خصال تجمع حقيقة الإيمان وتحيط به من جوانبه كلها، يرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يحلى بها كل من يستشعر من نفسه الوحشة في هذه الحياة ولا يجد في نفسه طعم الإيمان، إنها وصفة طبية إيمانية يقدمها طبيب الإنسانية لكل من لا يجد في نفسه حلاوة الإيمان.