"من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة" (صحيح أبي داود).
هذا الحديث الشريف يقرر أن الغيرة خصلتان، منها ما هو حميد، ومنها ما هو خبيث، فإن كانت الغيرة خبيثة دائية مرضية فهي مما يفتك بنقاء العلاقة بين الأفراد ويسممها، وتكون المصيبة أشد فتكا إذا ما تسربت الغيرة إلى داخل الأسرة الواحدة، فانتشارها بين الإخوة وسائر الأرحام كفيل بهدم كيان الأسرة وإحالة السعادة فيها إلى أثر بعد عين، وهو ما تؤكده الدراسات الحديثة.
ولا تكون الغيرة مرضية إلا إذا تجاوزت الحدَّ، فالأصل أن الغيرة صفة وخصلة حميدة في نفس المؤمن، وقد وصف شرعنا الحنيف من لا يغار "بالديوث"، لكن هذه الغيرة ليست رخصة مفتوحة لصاحبها، يطغى بها على الآخر، سواء كان هذا الآخر صديقا أو شقيقا أو قريبا أو زوجا، فهي حينئذ تفتك بين الناس، وتفتت العلاقات الحميمة بين الأفراد، ولذلك فقد عالج الإسلام هذه القضية في مهدها، من خلال النصوص الشرعية - في الكتاب والسنّة - التي تحض على تهذيب الطباع، واتباع حسن الظن بالآخر، ومراعاة خصوصياته، مع الاحتفاظ بالقدر الطبيعي من الغيرة.
هذه "الغيرة الزائدة" تتعدد أسباب نشأتها في البيت، وتلعب طريقة التربية الأسرية دورا بارزا في ظهور الغيرة المرضية من عدمه، فيعترف أحمد سعيد (32 عامًا، موظف استقبال بإحدى الشركات الخاصة) بأن غيرته المرضية دمرت حياته، قائلاً "عندما كنت طفلاً كنت أغار من شقيقي الأكبر؛ لأنه دائمًا ما كان يستحوذ على اهتمام والداي، وهما أيضًا لا يكفان عن الاهتمام به في كل تفاصيل حياته، حتى بعد زواجه كانا يهتمان بمعرفة تفاصيل حياته الزوجية.
ويومًا تلو الآخر والغيرة تزداد بداخلي حتى تملكتني تمامًا؛ لدرجة أن الأحداث الطبيعية والمواقف العادية التي تحدث لأي شخص كنت أتناولها على محمل الغيرة. واستمرت غيرتي بعدما تزوجت، حيث كنت أغار من أي شخص يتحدث مع زوجتي، لدرجة أنني لا أدعها تغادر المنزل بمفردها، لكن الوجه الكارثي لغيرتي ظهر بعدما رزقنا الله بالطفل الأول الذي كنت أغضب بعدما أرى اهتمامها به، وأحيانًا كثيرة أترك لها البيت وأذهب إلى بيت أهلي. ولاحقا طلبت منها قصر اهتمامها علي وحدي عندما أكون في المنزل، لكنها صرخت في وجهي وقالت "أنت إنسان مريض"، فصفعتها على وجهها، فتركت لي المنزل بعد أن طلبت مني الطلاق.
من جانبها، تقول دينا محمود (30 عامًا): أعتقد أن الغيرة أساس الحب والحياة، فكل إنسان بداخله غيرة على شيء معين، أما أنا فكانت غيرتي على خطيبي ولم أفكر في أي شيء غيره، فطوال اليوم كنت أتواصل معه عبر الهاتف ودافعي في ذلك الغيرة، ولكنه عندما تنبه إلى غيرتي الشديدة عليه، أخذ يستفزني وربما كان ذلك بدافع المداعبة، لكنني لم أتحمل، وعندها أمسكت بهاتفه الشخصي ونقلت أرقام فتيات في هاتفه، واتصلت بهنَّ، موجهة لهنَّ عبارات مهينة وجارحة، وطلبت منهن الابتعاد عن خطيبي، وعندما علم بهذا، وصفني بالمريضة، وفسخ الخطبة.
حلال شرعًا
الغيرة لم يحرمها الإسلام، ولا تعد جرمًا مثلما يعتقد بعض الناس، كما يقول د. عبدالمعطي بيومي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية، الذي يوضح: الغيرة في الإسلام أمر محمود وليس مذمومًا؛ لأنها دليل على الحب الصادق والنقي، وهذه عقيدة لدينا أن الغيرة أساس الحب ولا تعني شيئًا آخر، لذلك فهي حلال، ولم يحرمها أي نص شرعي، لكن الحديث هنا عن الغيرة الطبيعية التي لا ضرر فيها ولا ضرار.
يتابع: "بعض الأشخاص يعطون الحق لأنفسهم في التجسس على أزواجهم، ويدرجونه تحت مسمى الغيرة، وقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن ذلك، بقوله: "ولا تجسسوا" (الحجرات: 12)؛ أي أن التجسس على الآخرين بحجة الغيرة أمر حرمه الشرع. أما الغيرة الطبيعية فهي أمر أحله الإسلام، وهناك دلائل كثيرة جدًا في تاريخ الإسلام تبيح الغيرة، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما كان في بيت السيدة عائشة - رضي الله عنها - بحضور بعض الصحابة، وقد أرسلت له إحدى زوجاته صحن طعام، فقامت عائشة - رضي الله عنها - بقلب الطعام على الأرض غيرةً من الزوجة الأخرى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "غارت أمكم".
وبالنسبة للغيرة الكائنة بين المخطوبين، يقول بيومي: أودّ أن أوجه أولا للفتاة المخطوبة رسالة مفادها أن الله سبحانه وتعالى أعطى الفتاة ملكة فهم الرجل، فبمجرد النظر إلى عينيه تعرف طباعه ورغباته، وما الذي يريده منها بالتحديد؛ لذا أنصحها إذا شعرت بأن خطيبها يمتلك صفات تجعل عشرتهما صعبة جدا، فعليها عدم الارتباط به، ولا تقول لنفسها إنه سيتغير بعد الزواج فهذا هراء.
ويضيف: نصيحتي للرجل الخاطب، أيضًا إذا لاحظت غيرة مرضية في خطيبتك، وأعطيتها فرصًا لكنها لم تتغير، لابد أن تبتعد عنها؛ لأن غيرة المرأة المرضية يمكن أن تقلب عش الزوجية وتحرقه، ولهذه الأسباب شرعت فترة الخطبة قبل الزواج، لتعرف الطرفين على خصال بعضهما بعضا وليقررا مصيرهما.
نقص الثقة
أما استشاري الطب النفسي الدكتور سيد صبحي، فقال إن الغيرة لا تعني الحب بل تعني عدم ثقة الطرف الذي يشعر بالغيرة في الطرف الثاني، حيث دائما ما يقدم الشخص الذي يغار أدلته وقناعاته ودوافعه للغيرة، وتكون كل دوافعه وهمية في كثير من الأحيان.
وأضاف: "الغيرة التي تسمى في علم النفس بالغيرة المرضية نتائجها دائما وخيمة، فإذا كانت بين الزوجين فتنتهي بالطلاق، وإذا كانت بين أي طرفين آخرين فتكون سببا في الشتات والتفكك؛ لأنها إذا خرجت عن مسارها الطبيعي وانحرفت تدمر الحياة بأكملها وتكون النهايات مظلمة.
من جانبها، توضح د.نهلة ناجي، أستاذ الأمراض النفسية والعصبية، أن الغيرة نوعان: إما غيرة عاقلة ومشروعة، وفي هذه الحالة هي ليست مرضًا، بل هي فطرة موجودة داخل الإنسان بصفة عامة. وإما غيرة مرضية تحول حياة صاحبها إلى جحيم، وهذه هي الحالة المرضية التي تحتاج إلى علاج وتأهيل، وتسبق مرحلة العلاج مرحلة تمهيدية تتمثل في معرفة الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الغيرة المرضية، وهذه الأسباب تتنوع ما بين أسباب متعلقة بالنشأة الأسرية ويكون الوالدان سببًا فيها، حيث إنهم لم يساووا أو يعدلوا في المعاملة بين أبنائهم، مما يؤدي إلى إشعال نيران الغيرة بين الإخوة، وبالتالي إصابة أحدهم أو بعضهم بهذا "الفيروس" النفسي الخطير، وإما أن تكون الغيرة احتلت الشخص في فترة متقدمة من حياته بعيدًا عن سن الطفولة، وهذه أيضًا لها أسبابها.
ولكن بغض النظر عن الأسباب فالغيرة إذا زادت عن حدها فهي مرض يحتاج إلى جلسات من العلاج النفسي، حتى يعود المريض إلى وضعه الطبيعي الصحي.


