بعض الناس يحملون بين أضلاعهم سيء الطباع، وفساد النظر، فلا تقع عيونهم إلا على الخبيث، فلا يستطيعون التقاط الحسن، ولا التلذذ بالطيب، لأن فطرَهم انحرفت من معاصي البصر والسمع واللسان، ولأن قلوبهم اسودت من آثام جوارحهم، فلم يعودوا يبصرون الحق، ولا قادرين على إدراك الحقيقة. قَصُرت أسماعهم وأبصارهم وأفهامهم، فتبلدت أحاسيسهم ومشاعرهم وأذهانهم، فسادَ فيهم الحمقُ: لا خير يرتجى منهم، ولا نفع يُتحصل بهم.
أمثال هؤلاء من يرى المقتولَ يتلوّى من الألم، ويئن من الطعنات، ويرقص مضرّجا في دمائه، لا لشيء إلا لأنه نادى بصوت مرتفع يريد حاجته، ثم يأتي أحدهم ليقول مستنكراً: ما هذا الصراخ والعويل؟ ثم يقول آخر: لمَ طالب بحاجته بهذه الطريقة؟ ألم يكن آمناً معافى، قبل أن يثرثر مطالباً بما يُسمّى حاجته؟
يعيب على المقتول، ويغض طرفه عن القاتل، يرى العيب في نحيب الضحية وصراخها ألماً، ثم يثني على أناقة القاتل، وهدوئه.
مع هؤلاء لا ينفع الحديث، ولا الحوار، ولا ينفع استهلاك الوقت بما يعود على النفس باالإجهاد من حماقة أعيت طبيباً مداوياً.
بل إن هؤلاء لا ينفع معهم إلا مخاطبتهم على قدر عقولهم، والتحدث إليهم بلغتهم.
حال هؤلاء تمثلت في ذلك الأب الذي جاء إلى القاضي شاكيا ابنه، وعندما سمع القاضي الشكوى، ودفْعَ المشتكى عليه، تبين له أنه في مصيبة حقيقية بين أحمقين، وأنه لا نجاة له إلا بأن يحدثهما بلسان حالهما.
قصة كوميدية سوداء تستدر دموع البكاء والضحك في آن معاً:
اشتكى رجلٌ إلى القاضي ابنا له، فسأله القاضي: ما تقول يا غلام فيما حكاه أبوك عنك؟
قال: يقول غير الصحيح، إني أصلي ولا أشرب الخمر، فقال أبوه: أصلح الله القاضي، أتكون صلاة بلا قراءة؟ فقال القاضي: يا غلام تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم وأجيد القراءة، قال: إقرأ، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم:
عَلقَ القلبُ رَبَاباً *** بعد ما شابتْ وشابا
إنّ دينَ الله حقٌّ *** لا أرى فيه ارتيابا
فقال أبوه: والله أيها القاضي ما تعلّم هاتين الآيتين إلا البارحة، لأنه سرق مصحفاً من بعض جيراننا، فقال القاضي: قبّحكم الله، أحدكم يقرأ كتاب الله ولا يعمل به.