قال الله تبارك وتعالى: "اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ". (الزمر: 23).

يمدح الله سبحانه وتعالى كتابه الكريم، فيثني عليه أنه أفضل الحديث، وأن المتدبرين والتالين والقارئين له تقشعر أبدانهم من حسنه وعِظَمِه، والإعجاز الذي فيه من أكثر من وجه، فهو كمال الحسن في مبناه اللغوي والبيان، وفي معناه الإعجازي الذي انطوى على حقائق لا تصدر إلا عن خالق عليم حكيم عزيز.

القرآن حبل الله الممدود، وصراط المسلم المستقيم في هذه الدنيا، به ينجو ويفوز بالفلاح في الدنيا والآخرة. من استدبره ساقه إلى النار، ومن استقبله قاده إلى الجنة.

وهذا الحسن لا يقتصر على جمال المبنى من تراكيب لفظية قوية وبديعة وأخّاذة، وإنما يتغلغل إلى قوة المعنى وعمقه، فآياته تمثل مبنى جميلاً حسناً بديعاً، تحمل في طياتها معنى قوياً أخّاذاً يجيب على أسئلة الحائرين من البشر في هذه الدنيا. وقد أمرنا الله تبارك وتعالى باتباع القرآن، والعمل بما فيه، فقال عز وجل: "وهذا كتاب أنزلناه مباركاً فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" (الأنعام: 155). فنحن في هذه الحالة مأمورون أمراً وجوبياً لا اختيار فيه باتباع القرآن والعمل بما فيه.

 إذ كيف يكون أحسن الحديث في المبنى والمعنى، ثم نمرُّ من أمامه مرور الكرام دون أن يكون له رصيد عملي في حياتنا؟! فذلك مما يتنافى مع طبيعة الأشياء، ومع منطق العقل السليم، ومع النصوص القرآنية التي تؤازر هذا المعنى، فإن الله تبارك وتعالى يقول: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا". فنحن أمام نعمتين: الأولى أن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب ليكون لنا دليلا وهاديا إلى الخير لنا في أمور دنيانا، وفي آخرتنا، والثانية أن الله عز وجل لم يجعل لهذا الكتاب عوجا، فهو محكم مستقيم لا اعوجاج ولا زيغ ولا ميل فيه، فهو طريق الحق الذي لا سبيل للحيد عنه لمن أراد الفوز والنجاة.

وفي موضع آخر يوجه الله تبارك وتعالى للناس إنذارا شديدا اللهجة في الآية الخامسة والخمسين من سورة الأعراف، إذ يقول سبحانه: "واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أي يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون". ورب متوهمٍ قائل: إن في القرآن شيئا أحسن من شيء، وهذا وهم عارض، فالقرآن الكريم كله حسن، وقد عالج الإمام ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى هذا الوهم ورد عليه في قوله: (وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر، والمثل، والقصص، والجدل، والوعد، والوعيد أحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه).

وجاء في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: (أنزل الله كتب التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز. وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخٌ قاضٍ على جميع الكتب، وجميع الكتب منسوخة).

 

 

سياقات القرآن

 

جاء في تفسير الإمام ابن كثير قوله: قال مجاهد يعني القرآن كله متشابه مثاني وقال قتادة: الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف. وقال الضحاك: مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى.. ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى "متشابها مثاني" أن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذا من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا فهذا من المثاني كقوله تعالى "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم". وقوله تعالى "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" أي هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار المهيمن العزيز الغفار لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف.