تتحدث فتوى اليوم عن موضوع شديد الأهمية والحساسية، لكونه يتصل بواقع الحياة اليومية لمئات الألوف بل ربما الملايين من الناس، وهي تندرج تحت باب فقه المعاملات. وتظهر إجابة المُستفتَى دقة متناهية في مراعاة وفهم المقاصد الشرعية، بما فيها تحقيق المنفعة للمجتمع المسلم، وكذلك للفرد، وكل ذلك في ضوء من النزاهة والأخلاق، وبشكل لا يكون فيه اعتداء على حقوق الآخرين، ولا على الحق العام للمجتمع المسلم.

فقد كان السؤال عن مدى حلِّ الواسطة والمحسوبية في الحصول على وظيفة، أو تغيير الوظيفة. ويمكن لهذا السؤال أن ينسحب على سائر أمور حياة المسلم.

وبين المفتي أن الأصل في الأمور أن يحصل كل امرئ في الدولة المسلمة على حقه دونما وجاهة أو وساطة، ثم فصّل في المسألة، منوهاً إلى أنه يجوز للمرء أن يتوسط شخصا للحصول على حقه إن كان لا يستطيع تحصيل هذا الحق إلا بتلك الوسيلة (وهي الواسطة)، ولكن في الوقت نفسه فإن استخدام هذه الواسطة لغمط الناس حقوقهم، أو لتحصيل منفعة أو مصلحة لا يستحقها القائم باستخدام الواسطة يعتبر محرما من الناحية الشرعية، ويقع الإثم على الشافع والمشفوع فيه.

وجاء السؤال على النحو التالي:

هل يجوز لأي شخص الاستعانة بأحد في تغيير الوظيفة، أو ما يسمى بالمحسوبية، أو الطلب من شخص المساعدة في ذلك؟

وأجاب عن السؤال فضيلة الشيخ عبد الحي يوسف، قائلا: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا وإمامنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالأصل في الدولة المسلمة أن يحصل كل امرئ على حقه دونما حاجة إلى واسطة أو شفاعة، لكن قد غلب على الناس استعمال هذه الأساليب إن بحق أو بباطل، وعليه فإن الذي ينبغي أن يقال في هذا المقام ان من لجأ إلى الشفاعة ليحصل على حق أو يدفع عن نفسه أو غيره ظلماً فلا حرج على الشافع ولا المشفوع فيه، أما من كان غرضه الحصول على ما ليس حقاً له أو كانت تلك الشفاعة لإسقاط حد من حدود الله أو إلحاق ظلم بواحد من خلق الله فكلاهما آثم، أعني الشافع والمشفوع فيه، وقد قال الله عز وجل: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مُقيتا} (النساء: 85)، والله تبارك وتعالى أعلم وهو المستعان.