من الآداب الحضارية الاجتماعية ما ينبغي التنبيه عليه دائما لأن الناشئة ينبغي أن تتربى عليه حتى يكون من سلوكها وثقافتها، ثم إن بعض الكبار يغفلون عنه فيحتاجون إلى التذكير به، بل قد نجد من يعرف تلك الآداب وقيمتها الدينية والحضارية من خلال ثقافته العامة أو تربيته الخاصة ثم يتمرد عليها وهذا قد ينفعه الاستمرار في التذكير بأهميتها وقيمتها الدينية والحضارية الاجتماعية.

حق مشترك

ومن السلوكيات الظاهرة التي لها آداب في الإسلام المشي في الطريق الذي جاء الإسلام بآداب حسنة له، وطلب من المسلمين التأدب بها، لأن الطريق حق مشترك بين الناس، والأمور المشتركة يربي الإسلام أتباعه على الإنصاف فيها، ويأمرهم باجتناب الأذى أو الإضرار بالآخرين. فأمر الماشيَ أن يجتنب في مشيته ما يثير نظر الناس وانتباههم إليه، أو يبعث في نفوسهم السخرية أو الاشمئزاز كالتبختر والخيلاء والظهور بمظهر الغطرسة والتجبر في الأرض ورفع الصوت، فإن ذلك يسخط الله تعالى، ويورث في نفوس الناس العداوة لذلك الشخص الذي يتمايل أمام الناس ليسد عليهم الطريق بتباطئه وتثاقله في مشيته تيها بنفسه. ومعلوم أن المخالف لتعاليم الإسلام بعد العلم بها إنما يبعثه على ذلك ضعف في الدين وخفة في العقل كما يدل عليه قوله تعالى: "ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً" (الإسراء: 37).

فلا معنى للاختيال والإعجاب بالنفس والمظهر في الملبس أو الجمال والقوة ما دام أن فاعل ذلك ضعيف في كل الأحوال وكل الاتجاهات، فلا الأرض بقوة ضربه عليها يمكنه أن يخرقها، ولا الجبال الراسيات الشاهقات يمكنه أن يطاولها، فالأولى به أن يتحلى بصفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض بسكينة ووقار تمسكا بالمظهر الإسلامي العام في حقوق الناس في الطريق، وشعورا بعظمة الخالق جل جلاله في نفوسهم. قال تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" (الفرقان: 63).

مطالبة

ففي حال مشيتهم متواضعون وفي حال ردهم على من أساء خطابهم مسالمون متجاوزون، ومتخلصون بالقول الحسن من أي رد يؤدي إلى المخاصمات والمشاجرات في الشوارع والطرقات والأماكن العامة، وكما يطلب من المسلم التزام هذه الآداب في مشيته وقوله، فإنه يطلب منه أن يكف كل الأذى عن الناس المشاركين له في الشوارع والطرقات والأماكن العامة كالمساجد والأسواق والحدائق والمدارس وغيرها لأنهم يدخلون هذه الأماكن على سجيتهم وينطلقون فيها لمصالحهم الدينية والدنيوية فمن حقهم الحماية من كل ما يؤذيهم أو يشعرهم بالخوف والرعب كالسلاح والآلات الحادة، أو المواد السامة أو المتفجرة، أو المنفرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها - أي رأسها الحاد منها - ثم ليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها) كرر ذلك اللفظ تأكيدا وتحذيرا من أذية الناس لأن من شأن المسلم إزالة الأذى عن المسلمين إذ بذلك يكسب الأجر والثناء الحسن فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه عندما طلب منه أن يعلمه شيئا ينفعه في آخرته: (اعزل الأذى عن طريق المسلمين) كما في صحيح مسلم، فينبغي التذكير بهذه الآداب لتكون ثقافة عملية سلوكية وخصوصا في وجه الذين يحملون ثقافة حمل السلاح على الناس لقتلهم أو من يروعون الناس بسياراتهم التي يتهورون بها مخالفين بذلك الآداب الإسلامية والقوانين المنظمة لحقوق الناس في الطريق، وهي أفعال تضر بالمصلحة في المجتمع فرادى وجماعات.