خلق الله عز وجل الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه بأن أسجد له ملائكته المقربين وسخر له سائر مخلوقاته، وهيأ له كل أسباب السعادة والحياة اليسيرة. كل ذلك فضلٌ منه سبحانه على الإنسان حتى يعينه على أداء الأمانة وتحمل المسؤولية المنوطة به، والمذكورة في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: 72]. والأمانة المطلوب من الإنسان حملها وأداؤها، والمسؤولية المكلف بالقيام بحقها، هي عبادة الله عز وجل وعمارة الأرض وتحقيق الصلاح ودفع الفساد. ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى تحقيق ذلك إلا إذا انتصر على العوائق على تحقيق ما كلف به، وهي ثلاثة: الشيطان، ومتاع الدنيا، والنفس الأمارة بالسوء. وأخطرُ هذه العوائق وأقدرُها على تحريف الإنسان عن وجهته وإبعاده عن غايته؛ نفسه الأمارة بالسوء، كما ورد في الأثر: "أعدى أعدائك نفسُك التي بين جنبيك".

أحسن تقويم

ولذلك جعل الله تعالى انتصارَ الإنسان على نفسه سببَ فلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة، وجعل انهزامَه أمامها سببَ خيبته وشقائه فيهما. قال سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 7-10]. فهو سبحانه قد سوى النفس الإنسانية وخلقها في أحسن تقويم، وألهمها طريقي الخير والشر، ونَجْدَيْ الحق والباطل، كما قال تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 10]. فمن زكى نفسه كان جديرا بالفوز والفلاح، ومن دساها وترك الأدران تعلوها، كان جديرا بالخسران والضياع. وتزكيةُ النفس تكون بحملها على معرفة الحق والخضوع له والدوران معه حيثما دار، وإبعادها عن الشر والباطل والظلم.

وتدسيتُها تكون بأن يخضع الإنسان لشهوات نفسه ورغباتها، فيعمل على تحقيقها لها وإشباعها منها، دون نظر إلى مصدرها حلالاً كان أو حراماً، وقد حذر الله عز وجل عباده من اتباع الهوى والخضوع لأوامر النفس، فقال سبحانه: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: 26].

الحلال والحرام

ولذلك لا سبيل لوضع حد لشهوات النفس وأهوائها إلا بإغلاق أبواب الطمع في وجهها والامتناع عن الاستجابة لأي من رغباتها إلا فيما كان حلالاً طيباً، والمعيار في ذلك هو أحكام الشرع وحدوده، فما أحله الشرع جاز تناوله والانتفاع منه باعتباره من الطيبات التي دعا الله عز وجل إلى الأكل منها والتمتع بها في قوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ[البقرة: 57]. وما حرمه ومنع من الاقتراب منه وجب تركُه والبعدُ عنه، وفي ذلك ورد الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبَهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألاَ وَإنَّ لكُلّ مَلِكٍ حِمَى، ألاَ وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ»، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم مكمن الخطر كله ومنبع الداء كله، إنه القلب: «ألاَ وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألاَ وَهِيَ القَلْبُ»، والقلب هو مسكن النفس ومجال حركتها، فإذا سيطرت عليه خضع لها الجسد كله وأصبحت الأعضاء كلها تستجيب لرغباتها وتلبي مطالبها.

ولذلك كان من وسائل تهذيب النفس؛ عدمُ الانسياق معها بكثرة فيما تطلبه من الحلال، وأن تُعْطَى منه بقَدَر، حتى لا تتخذ منه وسيلة إلى الجر للحرام، وذلك ما كان عليه حال سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين، قال أبو بكر رضي الله عنه: "كنا ندع سبعين باباً من الحلال؛ مخافة أن نقع في باب من الحرام"، وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: "لا يصيبُ عبدٌ حقيقةَ الإيمان؛ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه".

هذا هو مضمار السباق: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26].