الإثم والمعصية والخطأ، أعمال تعرفها النفوس وتستشعرها عن بعد، وإن أنكرتها الألسنة، فالإثم كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: «ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس».

ففاعل الشرِّ يدرك أنه شر، وإن توارى خلف فُتية من هنا أو هناك، وآكل الربا يعلم تماما بأن المبلغ الذي اقترضه، ليعيده مزيدا، هو ربا محض، حتى وإن أقنع نفسه بأنه في حاجة ماسة للمال، وهكذا دَواليك. فالإثم والحرام في كثير من الأحيان لا يحتاجان إلى الفتية، لأنهما ظاهران، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يا وابصةُ، اسْتَفْتِ قلبَك، واستفتِ نفْسَك ثلاث مرات؛ البِرُّ ما اطمأنتْ إليه النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في النفْس، وتَرَدَّدَ في الصدر، وإنْ أفتاكَ الناسُ وأفتَوْكَ".

لكن ذلك لا يعني أبداً أن يطلق المرءُ العنانَ لقلبه، فيقوده في كل صغيرة وكبيرة، فيختار المرء ما يختار قلبه، ويحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه، فهذا بالضرورة يقود إلى ضلال مبين، وإنما قلب المؤمن يتبع للقرآن والسنة، فما يرتضيه القرآن والسنة النبوية المطهرة من حلال يقر القلب بحلِّه، وما ينهى عنه القرآن والسنة الشريفة ينأى القلب بصاحبه عنه.

وبين أيدينا قصة تخدم هذا المعنى أوردها العلّامة ابن الجوزي في كتابه الأثير "أخبار الظراف والمتماجنين":

"عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ، قال: جاء رجل إلى سليمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله! إن لي جيرانا يسرقون إوزِّي، فنادى: الصلاة جامعة، ثم خطبهم، فقال في خطبته: واحدكم يسرق إوزَّة جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه! فمسح رجل رأسه، فقال سليمان: خذوه، فإنه صاحبكم".

ولا يخفى على امرئ ما في طيّات هذه القصة من عِبَر تفيض على قارئها بالدروس والفوائد، ومن ذلك أن مرتكب المعصية والإثم لا يقرُّ له قرار، ولا تهدأ له نفس، ويبقى سيف العذاب مسلطاً على قلبه، فيعتقد في نفسه السوء، ويرى كلَّ صيحة عليه، حتى إذا ما ذُكِر أي سوء أو رذيلة أمامه انتفض فزعا، وهذا ما حصل تماما - مع الرجل السارق، إذ إنه بمجرد ما أوحي إليه ولو من بعيد بفعلته، تداعى وانهار وكشف نفسه، لأنه في الأصل خائف مرتعد، ويرى في عيون الآخرين ونظراتهم محاكمتهم له وازدراءه.

ولم ترد هذه القصة في كتاب ابن الجوزي لمجرد التسلية الأدبية، أو الترويح عن النفس، بقدر ما حملت عبراً كامنة بين السطور، تفيض بالدروس والخير على أولي الألباب.