يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم في حالة جمود تفرز اضطرابات فكرية تخيم على معظم مجتمعاته، ولا سبيل إلى الخروج منها إلا بحركة تنويرية تقوم على تغيير في العقلية العربية والإسلامية ذاتها. هذا ما اصطلح عليه بعض المفكرين والعلماء العرب الذين التقوا أخيرا في مؤتمر دولي نظمته كلية دار العلوم في جامعة القاهرة. وكانت أجواء اللقاء مفعمة بالتباينات الفكرية والاستقطابات التي انحصرت بين مؤيد لإطلاق عملية التنوير في الفكر الإسلامي، وآخر رافض للفكرة من جذورها باعتبارها كمفهوم منتجا غربيا نشأ في ظروف مغايرة تماما للواقع العربي والإسلامي.
وتصدى د. محمد عبدالله الشرقاوي، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة وأمين عام المؤتمر، للدفاع عن التنوير الفكري كحل للخروج من الواقع الراهين، قائلا: إن أهم أدواته تتمثل في إطلاق حرية العقل والاجتهاد والبحث والتفسير، وكذلك الجمع في - توازن - بين معارف الوحي ومعارف الكون دونما ميل، وتفكير نقدي يقوم على كراهية التقليد الذي ينحاز إلى التسليم والاتباع الأعمى دون بحث عن برهان أو دليل.
أما د. محمد صالح توفيق، عميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة، فأكد أن طرح قضية التنوير للمناقشة يهدف إلى الحث على استخراج الكنوز من الفكر الإسلامي وألا نغلق الباب أمام الاستفادة من الفكر الأوروبي. وقال: إن التنوير الإسلامي يجمع بين الإيمان والعلم وبين العقل والدين لأن الله والقرآن والرسول أنوار تضع للمسلم تنويرا إسلاميا مميزا، كما أن القرآن الكريم لم يذر وسيلة موصلة إلى إنعاش العقل وتحرير الفكر إلا تذرع بها.
تغيير العقلية
وكان لوزير الأوقاف المصري السابق د.محمود حمدي زقزوق، رأي قال فيه إن العالم العربي والإسلامي في أشد الحاجة اليوم إلى حركة تنويرية شاملة في محاولة لإخراجه من حالة الجمود والتخلف التي تسيطر عليه منذ فترة طويلة، وهذا أمر يحتاج إلى جهود كبيرة لتغيير العقلية العربية والإسلامية التي تتلمس طريقها وسط موجات من الاضطراب الفكري الذي يخيم على مجتمعاتنا في الشرق العربي والإسلامي، معتبرا أن هناك تيارات فكرية تحاول أن تشد هذه المجتمعات إلى الوراء متعامية عن مستجدات العصر وما طرأ على العلم من تطورات جوهرية، وعلى النقيض من ذلك توجد هناك تيارات أخرى تحاول أن تقضى على جذورها وتفقدها هويتها، ويبدو الأمر كما لو أنه خيار بين تيارين متطرفين يمثلان إفراطا في جانب وتفريطا في جانب آخر وهنا تأتي ضرورة التنوير.
ويشير زقزوق إلى أن مصطلح التنوير يثير لدى بعضنا حساسية أو عدم ارتياح بوصفه يحمل معنى مستوردا من الغرب، وبالتالي يضعونه في سلة واحدة مع مفاهيم أخرى لها وقع سلبي في أذهان الكثير من المسلمين مثل العلمانية وما يتصل بها من مفاهيم يتوهم أنها تهدف إلى محو الهوية الإسلامية.
ويقول: من المعلوم أن الفكر الإسلامي يعرف مصطلح التجديد وهو قريب من مصطلح التنوير، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه عن التجديد كان يقضي ضرورة العمل على إزالة الغمامة التي تطرأ بين حين وآخر على العقل الإسلامي في قوله (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها).
بعد تاريخي
ويكشف د. عبد الفتاح محمود، أستاذ التاريخ الإسلامي، أن قضية التنوير لها تاريخ عند المسلمين وذلك عندما تساءل المسلمون عن كيفية اللقاء والوفاق بين مقتضيات الوحي أو الشريعة أو الدين وبين مقتضيات الفلسفة التي نقلت إليهم وما تستتبعه من وجهات نظر، فليس التنوير بدعة في الإسلام وإنما له أصول دينية والآلية التي اعتمدها الإسلام للتنوير هي الاجتهاد. وليس من المبالغة القول إن عالمنا الإسلامي لم يتخلف إلا بسبب تعطيل مبدأ الاجتهاد الذي هو عماد التنوير، الأمر الذي أدى إلى تخلف الفكر وبالتالي إعاقة التقدم، ولابد من التأكيد أن التنوير لا ينسحب على الثوابت الدينية والأخلاقية والاجتهاد، ولا يقترب من النصوص القطعية التي لا جدال فيها فلا اجتهاد مع النص ولدى العقل الإسلامي مساحات واسعة للتنوير والتجديد في كل مجالات الحياة والتوجيه النبوي في هذا الصدد واضح تمام الوضوح في قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
ويحدد عبد الفتاح طبيعة الشخصيات التي تتولى مسؤولية التنوير، قائلا: لا ينبغي أن يقوم به إلا أهل الثقة من المفكرين والعلماء من ذوي الخبرة والاختصاص ومن لهم قدم راسخة في الدين وعلاقة ومعرفة واسعة بقضايا العصر والبعد الكوني لرسالة الإسلام فليس التنوير دعوة إلى الانفلات من كل قيد أو بداية للتفريط في كل شيء.
ويقول د. مستور حماد إسماعيل، أستاذ الاجتماع بجامعة عمر المختار، إن المفهوم الإسلامي للتنوير يقوم على قاعدة راسخة من العلم والإيمان، فهو مصطبغ بالصبغة القرآنية منصرف إلى حقيقة التنوير وطبيعته الأصلية التي تجمع بين تنوير العقل وتنوير القلب بالإيمان بالله أولا وبالعلم الذي لا ينفصل عن الإيمان في تكامل وترابط وانسجام بين وظيفة كليهما.
ويعرض مستور نماذج من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد على تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي وتربيته على حرية الفكر واستقلال الإرادة وعدم إطاعة الأهواء، ويقول: إن كمال العقل واستقامة التفكير واستقلال الإرادة هي أساس صحة العقائد واستقامة الدين ورقي الأخلاق ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع ومعرفة الباطل الذي يجب أن يجتنب.
إلا أن د. بكَّار الحاج جاسم، أستاذ بكلية الشريعة في جامعة دمشق، يشير إلى أن مفهوم التنوير مازال غامضا في الفكر الإسلامي فضلاً عن الخلط بين المفهوم الغربي للتنوير والمفهوم الإسلامي الصحيح، لكنه يضيف: لأجل إحياء الإنسان ظهر ما يسمى بدعاة التنوير وكثرت الكتابات في ذلك، واستند أكثرها إلى مفهوم التنوير عند الغرب ولكن لم تجد لها مكانا واسعا في الفكر الإسلامي لأن الظروف التي نشأ فيها التنوير في الغرب لا تتناسب مع الثقافة الإسلامية. تياران
يكشف د. مصطفى عبده أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر عن وجود تيارين مختلفين أحدهما يرى أنه لا سبيل إلى النهوض بالعالم الإسلامي من تأخره وتخلفه إلا باحتذاء النموذج الأوروبي التنويري بحلوه ومره، فهذا هو السبيل الوحيد للخروج من حالة التخلف التي نزلت بالعالم الإسلامي، وقد حمل هذا الفريق أصواتاً كثيرة تنادي بنبذ الدين كما فعلت أوروبا. وفي المقابل تيار آخر يرى مقاطعة مصطلح التنوير كلاً وجزءاً ويرفض حتى استخدام الكلمة كمصطلح، وهو تيار يحاول أن يشد المجتمع إلى الوراء متناس مستجدات الوضع ومتعام عن التطورات الجوهرية التي طرأت على البشرية.
أما د. نورة بنت عبدالله بن عبد العزيز الورثان أستاذ القرآن وعلومه بكلية الآداب بالسعودية، فأشارت إلى أن التنوير مشتق من النور والمراد به الضوء لذي يعين على الإبصار، وقد ورد لفظ النور في أكثر من أحد عشر موضعا في القرآن الكريم.
