قال الله تبارك وتعالى وتقدست أسماؤه وجلَّ في علاه:
"إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ". (آل عمران: 160).
بضع كلمات تختصر معنى عظيماً في العقيدة الإسلامية، وأساساً راسخاً من أسس الدين، وهو التوكل على الله تبارك وتعالى. ذلك التوكل الذي يعكس فيض القلب بحقيقة الإيمان، والتسليمَ والاطمئنان لأمر الله عز وجل، وهو ثمرة حقيقية لا تنمو إلا بسقيا القلوب الصادقة.
تنطوي الآية على تطمين للنفس بأن النصر يأتي من عند الله تعالى وحده، وأنه لا سبيل لأحد أن يخذلها أو يهزمها، وتنطوي - في بعدها الآخر - على أمر المسلمين فرادى وجميعاً باليأس من "استنصار" أحد غير الله تعالى، ثم تربط بين هذين المعنيين وبين التوكل على الله، بطريقة تلفت الانتباه إلى أن النصر أي نصر سواء كان على وساوس النفس، أو على همزات الشيطان، أو على الأعداء في الحروب مرتبط ارتباطاً عضوياً ومعنوياً وروحياً بالتوكل الحقيقي على الله سبحانه، وثمرة يانعة من ثماره.
هذا الكلام يقود إلى الحديث عن ماهية التوكل وحقيقته، أي عن توكل القلب والجوارح الذي تطمئن النفس به إلى كل ما هو غيبي. اطمئنان مصدره إيمانها المطلق بأن كل ما أصابها وسيصيبها هو اختيار الحكيم العليم. هذا التوكل لا يمكن أن يعني إلا حقيقة ساطعة: إفراغ القلب من التعلق بما سوى الله، وملؤه رجاءً بالخالق القادر سبحانه، وهو من صلب عقيدة المسلم وإيمانه، به يتحقق انقياده لربه في دقِّ الأمور وجلِّها، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما يدعو ربه: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة.
ويطلعنا الله تعالى على نماذج فذّة من المتوكلين عليه، ومن أبرزهم نبي الله إبراهيم الذي لم تخِفْهُ النار، وكان يقول عندما ألقي فيها: حسبي الله ونعم الوكيل.
كلمة لا يقدر عليها - في هذا الموقف - إلا مؤمن صادق امتلأ قلبه بحقيقة التوكل على ربه، ولذلك كان جزاء الله له بأن أمر النار بأن تكون لإبراهيم بردا وسلاما.
وتمتلئ سنّة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بحقائق التوكل على الله، وترسيخ هذا الأصل العظيم في نفوس أصحابه، ومن ذلك: الحديث الذي رواه الترمذي عن أنس بن مالك، وصححه الألباني: "يا رسول الله أَعقلها وأتوكل، أو أُطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل".
هذا الحديث يقدم لفتة لسائر الأمة عن حقيقة التوكل وكماله: التوكل القائم على إعداد العدة، والأخذ بالأسباب، ثم تعلق القلوب برب الأسباب، دون أن يكون لهذه الأسباب أي حظٍ في دواخل النفوس. وكان النبي عليه الصلاة والسلام في جميع معاركه وغزواته يعد العدة ويأخذ بالأسباب المادية والمعنوية إلى أبعد مدى، ثم يرتقي بقلبه ونظره ولسانه إلى السماء، قائلا: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" (مسلم).
التوكل انعكاس عميق لحقيقة الإيمان بالله عز وجل، وتسليم كاملٌ تامٌّ لمقادير الأمور، واطمئنان لما يخبئه الخالق سبحانه. وهو في جوهره دعوة إلى العمل والاستعداد، وطريقة لخلوص النفس ونقائها لله تعالى، وتحقيق لغاية الوجود التي خلق الله عز وجل الخلق لها وهي عبادته. ولأن التوكل مطلب شرعي، وأساس تعبدي عظيم شدد عليه الشرع الإسلامي في عشرات الآيات من القرآن الكريم، فقد منع الله تعالى النصر عن المسلمين في معركة حنين بعد أن شابت نفوسهم شائبة من الإعجاب بالنفس لكثرتهم، ووفرة عددهم وعدتهم، فقال الله سبحانه مؤدبا لهم، ومعلِّما إياهم: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين". (التوبة: 25).
استسلام لقضاء الله
جاء في تأويل الإمام الطبري في تفسير الآية قوله: إن ينصركم الله أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه، والكافرين به، فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم، وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره، واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر دونهم. {وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} يعني: إن يخذلكم ربكم، بخلافكم أمره، وترككم طاعته وطاعة رسوله، فيكلكم إلى أنفسكم، فمن ذا الذي ينصركم من بعده، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، فإنكم لا تجدون أمرا من بعد خذلان الله إياكم إن خذلكم، يقول: فلا تتركوا أمري، وطاعتي وطاعة رسولي، فتهلكوا بخذلاني إياكم. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يعني: ولكن على ربكم أيها المؤمنون فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره.
